عادي

في البدء... سؤال الذات

00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق
يوسف الحسن

د. يوسف الحسن

** آن الأوان، بعد مرور أكثر من عقد على طرح سؤال الهوية الوطنية، أن نتجاوز حالة الشعارات والعواطف، التي نطرح فيها هذا السؤال الوطني الكبير، إلى حالة الوعي بالذات والإدراك التاريخي لها، ولأبعادها ومضامينها الفكرية والثقافية والوطنية، وما حملته في طياتها من عناصر ثابتة، وأخرى متغيرة ومتجددة.

** لماذا نعيد طرح سؤال الهوية الوطنية، ونحن نستعد لاقتحام عقود خمسة قادمة؟ والإجابة تشير بسهمها إلى ما ينتظرنا من تحديات جمة، واختبارات ديموغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية عسيرة، «لا تسمح بالارتكان لإنجازات سابقة، وإلاّ سنخسر المستقبل» حسب ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قبل شهور.

** وفي قلب هذه التحديات والمخاطر، يكمن سؤال الهُوية، وهو سؤال عملي وتطبيقي، أكثر منه مقولة نظرية في الدساتير والأناشيد.

** إن الهوة الوطنية، مسألة أساسية للمشروع الحضاري المستقبلي للإمارات، ومن دونها يفقد المجتمع جوهره، وتضيع البوصلة من بين يديه.

** ويتطلب الوعي الجمعي بالذات (من نحن؟) مقاربات عميقة، لها أبعادها وحقولها المعرفية، ومضامينها القيمية والثقافية، وموروثاتها المتنوعة.

** إن الهُوية ليست وجوداً جامداً، إنما تتشكل وتصير وتعبر باستمرار عن علاقة مسار إنساني، له طرقه في التفكير والصفات والسلوك والشعور المتماثل نسبياً، والذاكرة المشتركة، والبنية الحيوية للجماعة الإنسانية، كالموقع الجغرافي والمناخ والبحر والصحراء والواحة والأحداث، والتنظيم القبلي السائد، والهجرات والتاريخ المشترك وحركة السكان، وعلاقات الجماعة الإنسانية مع مجالها الحيوي، وصراعاتها أو تفاعلها مع القادم المقيم فيها أو العابر...الخ.

** ساسة ومفكرون، في دول مختلفة، يرددون اليوم، أسئلة حول (من نحن؟) وعلى سبيل المثال، يُثار هذا السؤال في فرنسا، وفي دول آسيوية وغربية، حتى في أمريكا، وبخاصة حينما شعرت بأن الهُوية الأمريكية الأنجلوسكسونية البروتستانتية البيضاء، بدأت تتآكل.

** أكثر من نصف سكان ماليزيا يواجهون معضلة في الهُوية الوطنية، ثقافياً وعرقياً، والماليزي المسلم يؤكد دائماً وعملياً حاجته للهُوية (الملايانية) في تعبيرات ورموز دينية يجاهر بها، وذلك لمواجهة الثقافة الهندوسية، والثقافة الصينية لماليزيين من أصول صينية.

** وقد عملت الحكومات الماليزية المتعاقبة، على بلورة هُوية وطنية جامعة، قائمة على القيم الآسيوية، والتي تشمل التوافق والولاء للوطن، والالتزام الأسري، والتزام الحكم بإطار أخلاقي، وهي قيم موجودة في معتقدات في البوذية والكونفوشية والهندوسية والإسلام.

** وقد ظل (المالاي) هو صاحب اللغة الرسمية للدولة، والتي يقوم عليها النظام التعليمي، والمواطنة المتساوية، التي تضمن اندماج الأقليات في النسيج المجتمعي.

** إن التمسك بالهُوية الوطنية لا يعني الانطواء على الذات، أو رفض الآخر، إنما هو شعور بالانتماء وبوشائج الارتباط بثقافة مشتركة تعكس الواقع، وتعبر عن طموحات المستقبل. وهي، أي الثقافة، عنصر حيوي في بناء الدولة الحديثة، وفي صوغ ذهنية الإنسان وهويته وقيمه، ومعايير سلوكه، وهي صورته لذاته، وصورته أمام الآخر.

** وتتطلب المرحلة الخمسينية القادمة إعلاء شأن الثقافة، باعتبارها مستودع الهُوية الوطنية، والجذر الذي يُغذِّيها بالصمود والنماء والتجدد، ويهيئ الشخصية الإماراتية للوعي العميق والأصيل بتراثها وإعدادها للتفاعل الفاعل والإيجابي مع تحولات العصر، واستيعابه، أخذاً وعطاءً.

** ولا شك في أن بلورة وترسيخ الهُوية الوطنية ليسا أمرًا سهلاً، إنها قضية وطنية، وأمن وطني بامتياز، ولا يجوز الخلط بينها وبين العمل الاجتماعي الإرشادي، أو إقصاؤها عن خطط التنمية الشاملة، أو الاكتفاء بصبغتها برومانسية غائمة، والتغني بها في النشاطات الثقافية الموسمية.

** إن أمام بلورتها وترسيخها في نظم ومناهج التربية والتعليم والثقافة والإعلام والاقتصاد والمجتمع ككل، العديد من التحديات، من بينها مخاطر ثقافة الاستهلاك التفاخري، وتدفق الثقافة المعولمة، والحاجة لتعزيز قيم وأخلاقيات الحوار واحترام الاختلاف والقانون وقيم العدل والعطاء، والإبداع والحرية والمسؤولية الاجتماعية، وتقليص الفجوة ما بين الأعداد القليلة للملتحقين بالكليات الإنسانية والفنون والآداب، وبين الأعداد الهائلة الملتحقة بدراسات الأعمال والإدارة، وشحن (بطاريات) الثقافة الاتحادية، واللغة العربية، وإغناء شخصية المواطن الإماراتي بعناصر الثقافة، باعتبار أن الثقافة هي حصن وحدة المجتمع وهويته، وهي رؤى وإبداعات وسلوكيات وقيم، وأوسع من كونها ثقافة للنخبة وإبداعات فرد، بل تتسع لكل الناس، لتصبح نمط عيش مشترك، وقوة بقاء، ومحفزاً للطاقات والإنتاج والتماسك المجتمعي والندية في التفاعل مع الآخر.

** أستحضر هنا بعض التجارب الإنسانية في صوغ عناصر الهُوية الثقافية، حيث، على سبيل المثال، تحتشد قيم ضبط النفس، وتتقَّطر في منظومة قيم المجتمع الهندي، وهي قيمة ثابتة في الثقافة الهندية، على مدى أكثر من نصف قرن، في حين تقف قيم الحرية، على رأس منظومة الهُوية الثقافية الأمريكية، وهي متجذرة في التشريع والسياسات. وفي المجتمع الكوري الجنوبي، تشمل قيم الهُوية وعناصرها قيم الانضباط والنظام والعمل الشاق، وقيم العائلة والولاء الشديد للدولة، وهي قيم ذات ثبات نسبي خلال العقود الخمسة الماضية.

واتجهت البرازيل التي صهرت أعراقاً وألواناً وعقائد شتى، إلى تطوير مكونات جديدة لهويتها الوطنية، وعلى رأس هذه المكونات، منتجات ورموز، كالموسيقى والرقص والرسم والأدب وكرة القدم.. الخ، وصاغت ذاكرة جمعية لسكانها.

** وتستدعي الذاكرة الصورة النمطية للهُوية اليابانية قبل سبعين عاماً، وكيف تغيرت هذه الصورة النمطية اليوم ومنذ نهايات الحرب العالمية الثانية.

لقد كانت الصورة السابقة للهُوية اليابانية سيئة وسلبية. أما اليوم، فقد تغيرت عناصر صورة هوية اليابان الوطنية، فالياباني موظف نشيط، ذكي ومتفانٍ، صاحب ولاء لمؤسسته، تكنولوجي بامتياز، صناعي متميز، يتعامل مع الآخر بأدب وتسامح، لا يعرف الهدر ولا البذخ، يتكيف مع التغير بسهولة، يحترم الوقت وقيم العمل وروح الفريق..الخ.

***

كيف نحوِّل قيماً نفاخر بها اليوم، كقيم الخير والعطاء والأمل والقراءة والسعادة والإبداع والتسامح والانفتاح، إلى منظومات ثقافية ومسلكية وتشريعية، إلى جانب تراث وذاكرة تاريخية مشتركة ولغة عربية، وقوة علمية وصلبة وذكية وإنسانية؟

في البدء.. سؤال الذات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yguktem9