معلومات بلا معرفة

00:50 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

تقول إحدى الإحصائيات إن العالم يقوم ب3.6 مليون عملية بحث على «جوجل» كل دقيقة؛ الأمر الذي يؤشر إلى أننا بتنا أمام حجم خيالي من المعلومات؛ حجم يفوق التصور يتم تداوله كل يوم. والسؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي مدى يسهم هذا الكم الهائل من المعلومات في إنتاج معرفة جديدة تمثل إضافة مميزة إلى البشرية؟.

كان الفيلسوف البلغاري تزفيتان تودوروف قد سأل يوماً: كيف نطمئن إلى مادة نقرأ عنها في موسوعة «ويكبيديا»؟، اشترك الجميع في تحريرها بلا ضوابط علمية، واعتبر أن طوفان المعلومات على الشبكة غير منضبط ويتسم بعدم الدقة؛ الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى توافر معلومات بلا قيمة أو «معلومات مدمِرة». 

لقد كانت الشبكة العنكبوتية في البدايات مبشرة، حيث أصبحت المعلومات متاحة للجميع، فأعلن البعض عن تفاؤله بأن تلك الكلمة السحرية (معلومات) التي كانت بمثابة كنز النخبة، يمكن للبسطاء امتلاكها في النهاية، وباتت ديمقراطية يستطيع البشر كافة الوصول إليها، والبعض الآخر أعرب عن آماله في قدرة هذه المعلومات على نشر التنوير، فلا يقع عقل الإنسان أسيراً لرأي واحد، ولكن هل هذا ما حدث؟.

إن أي تعامل مع المعلومات يحتاج إلى منهج وأدوات، وإلا سيعاني الإنسان البلبلة، ولن يستطيع فرز الحقيقي من الزائف، فعندما يبدأ أحدهم البحث في الشبكة بنية العثور على معلومة تفيده في تغيير رأي أو اتخاذ موقف جديد، سيعثر على مصادر تدعم وجهات نظر متعارضة؛ بل ومتشظية، لا يربطها منطق، ولا يجمع بينها فكرة كبرى يمكن تلمسها، وسيصاب بالحيرة، وربما بالخوف من الضياع في هذا البحر، ولأنه لم يتعلم الفرز والمقارنة والرصد التاريخي أو التمييز بين المصادر الأساسية والثانوية سيعود إلى نقطة البدء، إلى رأيه الأصلي الذي يطمئن إليه لعوامل عدة، والأهم من ذلك أنه سيتوجه كلياً إلى المعلومات التي تؤيده، ليزداد تمسكاً بموقفه وتمترساً خلفه.

ولكن ماذا عن الباحث العلمي؟ هل ساعدته الشبكة في إنتاج معرفة جديدة؟ في الظاهر وفّرت له مراجع كان من الصعب الوصول إليها، ولم يعد يقضي الأيام والشهور في التفتيش عن هذا الكتاب أو ذلك المرجع، ومن مارس قدراً من البحث يعلم كثيراً عن معاناة الوصول إلى المعلومات، ولكن الملاحظ هنا أيضاً، أن مرحلة مختلفة من المعرفة الجديدة لم تُفتتح بعد، حتى إن قراءات تحليلية ذات رؤية مختلفة للمعلومات المتداولة لم تنتج حتى الآن. 

إن مسألة تعاملنا مع معلومات الشبكة باتت إشكالية كبرى، فلا البسطاء استفادوا منها على الوجه الأمثل، ولا النخبة استخدمتها في إحداث نقلة معرفية، ولكننا لا نتصور أن يمر علينا يوم من دون اللجوء إلى الشبكة للحصول على معلومة ما، ولكنها معلومة سريعة، لا نقتنع أو لا يقتنع جزء منا بصدقيتها تماماً، معلومة وظيفية لا تؤسس لرأي أو تشكل عقلاً أو حتى ترتقي بالتفكير، لقد تحولت الشبكة إلى بحر من المعلومات ولكنه يخلو من المعرفة.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ygqelket