‏مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد كمال الدين ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏موسي‏ ‏بن‏ ‏عيسي‏ ‏بن‏ ‏على ‏الدميري بالقاهرة عام 1341 ميلادية، ومعروف‏ ‏أيضا‏ً ‏بأبي‏ ‏البقاء، ‏أو‏ ‏بوفون‏ ‏العرب، ‏ويضاف‏ ‏إلى ‏اسمه‏ ‏أحيانا‏ المصري‏ ‏الشافعي‏. ‏أما‏ ‏الدميري‏ ‏فلأن‏ ‏أسرته‏ ‏من‏ ‏دميرة‏ وهى مدينة‏ ‏تقع‏ ‏بالقرب‏ ‏من‏ ‏سمنود‏ ‏بالوجه‏ ‏البحري‏ ‏في‏ ‏مصر‏،

‏‏بدأ ‏حياته‏ ‏خياطاً، ‏لكن‏ ‏العلم‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏جذبه‏ ‏إليه، ‏فأخذ‏ ‏ينهل‏ ‏من‏ ‏الفلسفة‏ ‏واللغة‏ ‏والأدب‏ ‏والحديث‏ ‏والفقه، ‏كما‏ ‏كان‏ ‏مولعا‏ً ‏بعلم ‏الحيوانات‏ ‏حتى‏ ‏أنه‏ ‏ألَّف‏ ‏موسوعة‏ ‏«حياة‏ ‏الحيوان‏ ‏الكبرى‏»، ‏وهو‏ ‏لم‏ ‏يتجاوز‏ ‏الثلاثين‏ ‏من‏ ‏عمره‏. و‏تلقى‏ ‏الدميري‏ ‏علومه‏ ‏على يد ‏كبار‏ ‏علماء‏ ‏الأزهر‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏آنذاك، ‏منهم‏ ‏بهاء‏ ‏الدين‏ ‏السبكي، ‏جمال‏ ‏الدين‏ ‏الإسنوي، ‏الكمال‏ ‏أبي‏ ‏الفضل‏ ‏النويري، ‏ابن‏ ‏الملقن، ‏البلقيني، ‏البرهان‏ ‏القيراطي، ‏والبهاء‏ ‏عقيل‏.‏ بعدما‏ ‏تضلع‏ ‏الدميري‏ ‏في علوم‏ ‏الدين، ‏وأصبح‏ ‏من‏ ‏فقهاء‏ ‏الشافعية، ‏وأجيز‏ ‏للتدريس‏ في‏ ‏الأزهر‏ ‏الشريف، واستمر‏ ‏هكذا‏ ‏لسنين‏ ‏حتى‏ ‏ذهب‏ ‏إلى ‏مكة‏ ‏المكرمة، ‏ومكث‏ ‏يدرس‏ ‏فيها‏ ‏علوم‏ ‏الدين‏ ‏نحو‏ ‏عشرين‏ ‏سنة، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏القاهرة‏ ‏إلى ‏أن‏ ‏وافته‏ ‏المنية‏. ‏

 برع‏ ‏الدميري‏ ‏في‏ ‏التفسير‏ ‏والحديث‏ ‏والفقه‏ ‏والأصول‏ ‏واللغة‏ ‏العربية‏ ‏والأدب، ‏وكذلك‏ ‏ألَّف‏ ‏في‏ ‏العديد‏ ‏من‏ ‏الفروع‏ ‏الدينية‏ ‏والمدنية، ‏وللأسف‏ ‏ضاعت‏ ‏معظم‏ ‏هذه‏ ‏الكتب، ‏ويثبت‏ ‏المؤرخون‏ ‏منها‏ ‏ما‏ ‏عثروا‏ ‏عليه‏ ‏أو‏ ‏على ‏إشارة‏ ‏إليه، ‏وهي‏: ‏»حياة‏ ‏الحيوان»‏ (مجلدان‏)،» الديباجة‏ ‏في‏ ‏شرح‏ ‏كتاب‏ ‏ابن‏ ‏ماجة‏ ‏في‏ ‏الحديث»‏ (‏خمسة‏ ‏مجلدات‏)، ‏»النجم‏ ‏الوهاج‏ ‏في‏ ‏شرح‏ ‏منهاج‏ ‏النووي»‏. ‏ويجمع‏ ‏الباحثون‏ ‏ومؤرخو‏ ‏العلم‏ ‏على ‏أن‏ ‏كتاب‏ «حياة‏ ‏الحيوان الكبرى‏» ‏هو‏ ‏أشهر‏ ‏كتب‏ ‏الدميري، ‏وسبب‏ ‏ذيوع‏ ‏صيته‏ ‏في‏ ‏تراث‏ ‏العلم‏ ‏عند‏ ‏العرب‏ ‏و‏الغرب‏.‏ ويقال ‏إن‏ الذى‏ ‏دفع‏ ‏الدميري‏ ‏إلى ‏تأليف‏ ‏هذه‏ ‏الموسوعة ‏رغبته‏ ‏الصادقة‏ ‏في‏ ‏تصحيح‏ ‏معلومات‏ ‏خاطئة‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏علم‏ ‏الحيوان ‏انتشرت‏ ‏بشكل‏ ‏مزعج‏ ‏حتى‏ ‏بين‏ ‏طبقات‏ ‏المتخصصين‏ ‏فيه‏. ‏

‏رتب‏ ‏الدميري‏ ‏الحيوانات‏ ‏التي‏ ‏كتب‏ ‏عنها‏ ‏ترتيباً‏ ‏أبجديا‏ً ‏على ‏طريقة‏ ‏المعجم، ‏وتناول‏ 1069 ‏مادة، ‏يقال‏ ‏إن‏ ‏العدد‏ ‏الحقيقي‏ ‏للحيوانات‏ ‏فيها‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏سبعمئة‏ ‏بقليل‏. ‏وجمع‏ ‏مادته‏ ‏من ‏560 ‏كتاباً، و199 ‏ديوانا‏ً ‏شعرياً. ‏وهو‏ ‏موسوعة‏ ‏علمية‏ ‏أدبية‏ ‏لغوية، ‏رجع‏ ‏فيها‏ ‏الدميري‏ ‏في‏ ‏اللغة‏ ‏وأسماء‏ ‏الحيوان‏ ‏إلى ‏الجوهري‏ ‏وابن‏ ‏سيده، ‏وفي‏ ‏طباع‏ ‏الحيوان‏ ‏وأوصافه‏ ‏وخصائصه‏ ‏الطبية‏ ‏وغير‏ ‏الطبية‏ ‏إلى ‏الجاحظ،‏ ‏والقزوين‏ ‏وبليني‏ ‏الكبير‏، ‏وابن‏ ‏سينا‏، ‏وأرسطو،‏ ‏وحنين‏ ‏بن‏ ‏إسحاق،‏ ‏وابن‏ ‏بختيشوع‏، ‏وابن‏ ‏رشد،‏ ‏وعبداللطيف‏ ‏البغدادي، ‏ورجع‏ ‏في‏ ‏الفقه‏ ‏والتشريع‏ ‏إلى ‏أئمة‏ ‏المذاهب‏ ‏الأربعة، ‏وفي‏ ‏الحديث‏ ‏إلى ‏أئمة‏ ‏الصحاح‏ ‏كالبخاري‏ ‏ومسلم‏ ‏وأبوداود‏ ‏والنسائي‏ ‏والترمذي‏ ‏وابن‏ ‏ماجة، ‏وأحيانا‏ ‏إلى ‏البيهقي‏ ‏والسهيلي‏ ‏وابن‏ ‏الجوزي‏ ‏والحسن‏ ‏البصري‏ ‏وغيرهم‏. ‏ورجع‏ ‏في‏ ‏الأمثال‏ ‏إلى ‏الميداني، ‏وفي‏ ‏تعبير‏ ‏الرؤيا‏ ‏إلى ‏ابن‏ ‏سيرين‏ ‏الأنصاري‏ ‏وإلى ‏أرطاميدورس‏. ‏كما‏ ‏استفاد‏ ‏الدميري‏ بشكل كبير من‏ ‏مؤلفات‏ ‏العلماء‏ ‏العرب‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏علم‏ ‏الحيوان، ‏وخاصة‏ ‏أبومحمد‏ ‏عبدالله‏ ‏الأندلسي‏ ‏العشاب‏ ‏المعروف‏ ‏بابن‏ ‏البيطار‏.‏ 

‏يقع‏ ‏الكتاب‏ ‏في‏ ‏مجلدين، ‏والأصل‏ ‏في‏ ‏ثلاث‏ ‏نسخ‏: ‏كبرى‏ ‏ووسطى ‏وصغرى‏. ‏وللنسخة‏ ‏الكبري‏ «حياة‏ ‏الحيوان‏ ‏الكبرى» ‏مخطوطات‏ ‏في‏ ‏مكتبة‏ ‏برلين‏ ‏ومكتبة‏ ‏باريس‏ ‏الأهلية‏ ‏ومكتبة‏ ‏كوبنهاجن‏ ‏ودار‏ ‏الكتب‏ ‏الظاهرية‏ ‏بدمشق‏.‏ وانتشر‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏في‏ ‏العالم، ‏واستفاد‏ ‏منه‏ ‏عدد‏ كبير‏ ‏من‏ ‏الكتاب‏ ‏والباحثين‏ ‏والمؤلفين، ‏ومن‏ ‏الغربيين‏ ‏من‏ ‏اقتبس‏ ‏منه‏ ‏كثيرا، ‏نذكر‏ ‏منهم‏، ‏لين، ‏وستنفلد، ‏بوكارت، ‏هازل، ‏سلفستر‏ ‏الساسي، ‏كرامر، ‏هومل، ‏تكسن، ‏بريم، ‏وغيرهم‏. ‏وكان‏ ‏لكتاب‏ ‏الدميري‏ ‏هذا، ‏أو‏ ‏الأجزاء‏ ‏التي‏ ‏ترجمت‏ ‏منه‏ ‏إلى ‏كثير‏ ‏من‏ ‏اللغات‏ ‏الأجنبية‏ ‏شأن‏ مهم في‏ ‏جامعات‏ ‏ومدارس‏ ‏أوروبا، ‏بل‏ ‏وفي‏ ‏العالم‏ ‏أجمع‏.

‏لم‏ ‏يزعم‏ ‏كمال‏ ‏الدين‏ ‏الدميري‏ ‏أنه‏ ‏خبير‏ ‏في‏ ‏عالم‏ ‏الحيوان، ‏ولكنه‏ ‏وضع‏ ‏الأمر‏ ‏واضحا‏ً ‏وجليا‏ً ‏أمام‏ ‏القارئ‏ ‏أن‏ ‏مهمته‏ ‏هي‏ ‏جمع‏ ‏المعلومات‏ ‏من‏ ‏مصادر‏ ‏مختلفة‏ ‏متخصصة‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏الحيوان‏ ‏في‏ ‏قالب‏ ‏صحيح‏ ‏مرتب‏ ‏على ‏حروف‏ ‏المعجم‏ ‏ليسهل‏ ‏الرجوع‏ إليه‏. ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏اهتم‏ ‏باللغة‏ ‏والأدب‏ ‏نثرا‏ ‏وشعرا‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب، ‏لأن‏ ‏العرب‏ ‏اشتهروا‏ ‏بملاحظاتهم‏ ‏الدقيقة‏ ‏لطبائع‏ ‏الحيوان، ‏فرجل‏ ‏الصحراء‏ ‏كان‏ ‏ينعت‏ ‏الحيوان‏ ‏بما‏ ‏يتفق‏ ‏مع‏ ‏خصائصه‏.‏

 ذهب‏ ‏د. ‏حسين‏ ‏فرج‏ ‏زين‏ ‏الدين،‏ ‏ود. رمسيس‏ ‏لطفي‏ ‏في‏ ‏كتابهما‏ «دراسات‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏الحيوان‏ ‏ورواد‏ ‏التاريخ‏ ‏الطبيعي‏»، ‏إلى ‏أن‏ ‏الدميري‏ تكلم‏ ‏عن‏ ‏المشاركة ‏أو‏ ‏التكافل‏ ‏بين‏ ‏الأحياء، ‏ويتضح‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‏حديثه‏ ‏مثلا‏ ‏عن‏ ‏الضب‏ ‏وما‏ ‏يسكن‏ ‏جحره‏ ‏من‏ ‏عقارب، ‏و‏دلت‏ ‏المشاهدات‏ ‏على ‏ما يؤيد‏ ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏. ‏