اعتداءات المستوطنين

01:45 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

لم يكن غريباً على أهالي القدس، أن يتصدوا للمستوطنين الذين حاولوا تدنيس المسجد الأقصى، بصدورهم العارية، وأن يقع بينهم أكثر من مئة جريح، فهم على مرّ التاريخ حماة المدينة ومقدساتها، ذادوا عنها بالأرواح، وقدّموا الآف الشهداء على مذبحها، وما زالوا على العهد مهما بلغت التضحيات.

 وأنْ تقوم مجموعة يهودية متطرفة تدعى «لهب» باقتحام الأقصى بحماية قوات الشرطة، وتطلق شعار «الموت للعرب»، وغيره من الشعارات العنصرية، وفي شهر رمضان المبارك، فهذا ذروة التحدي والاستفزاز، لأنه يمثل اعتداء على المقدسات، وعلى ما تمثله المدينة من قداسة مرتبطة بإيمانهم. فهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى الرسول العربي، ومثوى السيد المسيح، وعلى أرضها عاش الأنبياء والقديسون، وضمخ الآف الشهداء أرضها وأسوارها وأزقتها بدمائهم، لأنها كانت، وستبقى مدينة الله على الأرض، وريحانة العواصم، وواسطة العقد بين الأرض والسماء، نتطلع إليها كل يوم أملاً وإيماناً ويقيناً بأنها ستظل عربية، مهما جار الزمان، وتمادى العدوان محاولاً ابتلاعها وتهويدها، وتزوير تاريخها.

 أجلْ، لم يكن غريباً على أهالي القدس أن يهبوا للدفاع عنها، كلما أحسوا بأنها تتعرض للانتهاك والمهانة، فهم في خط الدفاع الأول عنها، ويمتلكون الإرادة والتصميم على أن يظلوا أوفياء لها، لا يهابون جيش الاحتلال، ولا زمر اليهود المتطرفين من أمثال حركة «لهب»، أو «أمناء الهيكل»، أو «كاهانا»، أو جماعة «تدفيع الثمن»، أو «جوش أمونيم».

 إن الشعب الفلسطيني، ومن بينه أهالي القدس، يقدم كل يوم نموذجاً للتعلق بالأرض، والإيمان بالحق، والإرادة على الانتصار، برغم ما يمتلكه المحتل من قوة باطشة.

 ولن يكبر حلمٌ فوق القدس، وستظل المدينة سراً سرمدياً لا يعرفه إلا أهلها، ولن تستطيع أية قوة على الأرض تزوير هويتها ؛ حتى لو غيّروا أسماء الشوارع والساحات، وهدموا البيوت، واقتلعوا الحجارة والأشجار، ومقابر آلاف الشهداء الذين صمدوا وقاتلوا دفاعاً عن المدينة، في مواجهة الفرنجة الذين طردوا منها بعد 88 عاماً.

 نحب فلسطين، لأنها عربية، ونحب القدس، لأنها مدينة القداسة والأنبياء، فهي القلب والشرايين، ومنها يشع الحب الإلهي لكل المؤمنين الأوفياء. فطوبى لأهلها، ومن في أكنافها الذين خلّدهم التاريخ فداء، وعطاء، وتضحيات.

 عندما نتابع المواجهات بين أهالي القدس وقوات الاحتلال والمستوطنين، ونرى مشاهد التحدي بين الفلسطيني الأعزل والجندي المدجج بالسلاح والحقد والعنصرية، يمكن أن نفهم سر الصمود الفلسطيني على أرض فلسطين، وما يمتلكه المواطن الفلسطيني من طاقة هائلة على المواجهة والاستبسال. فهذا وحده يعطينا الأمل بأن كل مشاريع الابتلاع والتهويد والضم و«الأسرلة» لن تقوم لها قائمة، وسوف تفشل كما فشلت كل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"