أ.د.حميد مجول النعيمي

الأرض كوكب صغير خلقه الله تعالى بين مجموعة كواكب المجموعة الشمسية في مجرة درب التبانة، ويؤلف كوكب الأرض مع عُطارد والزهرة والمريخ الكواكب الأربعة الداخلية الصخرية الصغيرة في مجموعتنا الشمسية.

يأتي بعد هذه الكواكب المشتري وزحل وأورانوس ونبتون تؤلف الكواكب الأربعة العملاقة الغازية ثم الكواكب القزمة (بلوتو وجماعته)، فضلاً عن الأجرام السماوية الصغيرة الأخرى الموزعة في المجموعة الشمسية التي لا تحصى ولا تُعد، إذ قد يصل عددها إلى المليارات بما فيها الكويكبات الصغيرة التي معظمها يدور حول الشمس بين مداري المريخ والمشتري. كما تنتشر بين الأجرام السماوية أعلاه المواد الغبارية والغازية والدخانية.

كوكب الأرض هو المصدر الرئيسي للباحثين للحصول عن معلومات الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية، بصفته الوحيد القابل للحياة حتى الآن، فهو في المرتبة الخامسة من حيث الحجم. وللأرض قمر واحد حجمه ربع حجمها تقريباً ويرتبط جذبياً بها مسبباً مع الشمس ظاهرتي المد والجزر. وهاتان الظاهرتان ليستا بسبب الجاذبية فحسب وإنما ناتجتان أيضاً عن العلاقة الزمنية المنتظمة، فبغيرها ستتغير حركة الأرض خلال ملايين السنين وقد تدمر الحياة فيها.
وكما للشمس والقمر تأثيرات، فإن للأرض تأثيرات واضحة في كل الأجسام التي تدور حولها، أو تلك التي تقترب منها بين الحين والآخر كالشهب والنيازك، فأي جسم فضائي يسقط في اتجاه الأرض ستبلغ معدل سرعته 9.81 م /ثانية، مهما كان حجمه، بفعل قوة الجاذبية التي تختلف من مكان إلى آخر من الأرض. وكما هو معروف فإن الارض تكونت من السديم الشمسي قبل 4.54 مليار سنة.
وللأرض غلاف جوي مميز ومجال مغناطيسي مهم جداً للكائن الحي. وثبت فلكياً وفضائياً أنه لا شبيه للأرض في المجموعة الشمسية وقد يكون حتى في الكون من حيث خواصها ومحيطها وعلاقتها بالظواهر السماوية وجيولوجيتها وفيزيائيتها وبحارها وغلافها الجوي وموقعها في الكون وملاءمتها لعيش الكائنات الحية على سطحها، وكيف أن سطحها وغلافها الجوي وطبقاته ومجالها المغناطيسي خُلقت لتكون حامياً وملاذاً لعيش الكائنات الحية وواقياً (سربيلاً) من أضرار الأشعة الكهرومغناطيسية والرياح الشمسية، وحامياً من ضربات الشهب والنيازك والأجسام الصناعية الأخرى التي تدخل الغلاف الجوي، وكيف أن الله سبحانه وتعالى خلق في هذا الغلاف أنواعاً مختلفة من الظلال لتقينا من حرارة الشمس ورياحها وأشعتها الكهرومغناطيسية مثل أشعة «جاما» والأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء والالكترونات الحارقة.
صورت الأرض بكاميرات عدد من المركبات الفضائية من على بعد ملايين الكيلومترات عن كوكبنا وظهرت كنقطة زرقاء صغيرة جداً تسبح في الفضاء وبالكاد تبدو واضحة في خلفية النجوم. وهذا الكوكب هو الوطن، هو المهد، هو الذي خلقه الله سبحانه وتعالى ووضعه للأنام، وجعله ذلولاً لنمشي في مناكبه بحريّة ولنأكل من رزقه، هو الذي جعله كُفاتاً، وجعله فراشاً ومهداً وسلك لنا فيه سُبلاً وأنزَل لنا عليه من السماء ماءً وأخرج لنا به أزواجاً من نباتٍ شتى.
الله عز وجل جعل هذا الكوكب ليكون لنا قراراً وبنى في أعلاه من كل الجهات سماءً، وصورنا وأحسن صورنا، ورزقنا من الطيبات لتكون الأرض لنا مستقراً ومتاعاً إلى حين، وجعل لنا مما خلق ظلالاً ومن الجبال أكناناً، وكذلك جَعل لنا سرابيل تقينا الحر وسرابيل تقينا بأسنا ليُتم نعمته علينا لعلنا نَسْلَم ونعيش على سطحه بهناء وسلام. وجَعل هذا الكوكب ليكون مِهاداً والجبال على سطحه أوتاداً، وخَلَقَنَا أزواجاً، وجعل نومَنا سُباتا ومن خلال حركته المحورية حول نفسه والدورانية حول الشمس خلق الليل والنهار، ليكون الليل لباساً والنهار معاشاً، وجعل الشمس لنا سراجاً وهاجا، وأنزل لنا من المُعْصِراتِ ماءً ثجاجاً ليخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً، وخلق في الأرض قطعاً متجاورات وجناتٍ من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يُسقى بماءٍ واحدٍ، كلها نِعَمٌ لا تحصى و لا تُعد.
خلق الله سبحانه الكائنات الحية على سطح الأرض قبل أكثر من مليار سنة، ومنذ ذلك الحين أدى المحيط الحيوي لها إلى تغيير الغلاف الجوي والظروف غير الحيوية الموجودة على الكوكب ما سمح بتكاثر الكائنات الحية التي تعيش في ظل وجود الأوكسجين وتكون طبقة الأوزون التي تعمل مع المجال المغناطيسي للأرض على حجب الأشعة الكونية الضارة. وفي الأرض تطورت العلوم والتكنولوجيا بشكل متميز على مر السنين، واستكشف الفضاء والكون بتقنيات وصلها الإنسان في مختلف المجالات، فتمكن من رصد أجرام عند حافة الكون المرئي (13.87 الف مليون سنة ضوئية). وقد نتمكن من رصد أجرام أبعد من هذه المسافة كلما تقدمت التكنولوجيا وتطورت الأجهزة الفلكية والفضائية التي يكتشفها ويستخدمها الانسان، ومع كل هذه التقنيات لم يكتشف الإنسان أكثر من 5% من الكون. وصل الإنسان إلى سطح القمر أربع مرات بين 1969 و1972، والآن يحاول الرجوع إليه ليجعله مطاراً كونياً يستفاد منه في بناء المستوطنات في الفضاء والسفر إلى كواكب أخرى ابتداء بأقربها مثل المريخ وبعض الأجرام السماوية الأخرى.
عندما نتحدث عن التقدم العلمي والتكنولوجي الحاصل في أيامنا نجده شمل جميع مرافق الحياة على سطح الأرض وأعماقها وبحارها ومحيطها الحيوي وحتى في الفضاء، شمل المجالات الطبية والصحية والاجتماعية و التربوية والتعليم والزراعية والصناعية حتى الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، شمل أدق تفاصيل جسم الإنسان أو الحيوان وكل ما يتعلق ويحيط بهما.
ولا أريد أن أدخل في تفاصيل التقدم العلمي و التكنولوجي ولكنني سأذكر فقرة صغيرة من هذا التقدم على سبيل المثال لا الحصر في جزء بسيط من ممارساتنا الحياتية اليومية في مختلف مجالات التواصل الالكتروني الاجتماعي من خلال عالم وثورة الانترنت، فنجد أن الدقيقة الزمنية الواحدة فقط مليئة ومزدحمة بآلاف الملايين من عمليات المشاهدة والقراءة والبحث والرسائل والبيع والشراء لتشكل عالماً هائلاً من البيانات والتفاعلات بين آلاف الملايين من المستخدمين الذين لا يتوقفون لإحصاء ما يقضون من دقائق على الشبكة الإلكترونية الضخمة التي ترسم خارطة رهيبة تعكس سيطرة علوم التكنولوجيا الحديثة على الحياة البشرية في مختلف تفاصيلها.
سبحان الله القدير على ماسخره لنا لنعيش بسلام وأمان وحب ونتفكر ونتدبر ونحن على هذا الكوكب الصغير لاكتشاف هذا الكون الشاسع الذي من خلاله نتعرف أكثر على قدرة الخالق العظيمة ونتقرب إليه ونعبده حق عبادته.
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك