كتب: يوسف أبولوز
الانطلاقة الأولى لمهرجان الفنون الإسلامية كانت في عام 1998 بتنظيم من دائرة الثقافة في الشارقة، تحت مسمى «مهرجان الفنون الإسلامية، المرئي المسموع»، وكان متخصّصاً آنذاك في الخط العربي للخطاطين المحليين. ولعل المراد من العنوان الفرعي، أي المرئي والمسموع، أنه مثلما يُرى العمل الخطي، فإنه يُسمع في الآن نفسه، كأن يجري التعامل مع اللوحة بتأملات روحانية في تطويع وليونة وانسياب الحرف على القماش.
تواصلَ «المرئي والمسموع» للمهرجان على مدى أكثر من عشر سنوات، إلى أن جرى تأسيس ملتقى الشارقة للخط في عام 2008، ليتخصص الملتقى في هذا الفن، فيما انفتح المهرجان إلى آفاق فنية أوسع وأشمل في الفن الإسلامي مع شعارات متنوعة في كل عام لها دلالاتها وإحالاتها الفنية، وركّز على نواح عديدة منها العمارة، والمشغولات اليدوية، والمنمنمات، فضلاً عن استقطاب فنانين غير مسلمين ينجزون أعمالاً في الفن الإسلامي، ومن هنا يمكن القول إن المهرجان اتخذ هوية فنية منفردة للفنون الإسلامية، وأسّس مكانة عالمية لهذا الحدث الجمالي.
اختار المهرجان في عام 2008، عنواناً لافتاً هو «طريق الحرير» وشكّلت المشاركات الصينية في فعاليات تلك الدورة ركناً أساسياً من المهرجان، إلى جانب معارض عديدة في الخط العربي والزخرفة الإسلامية، بلغت في مجملها نحو 130 فعالية.
نحا المهرجان في عام 2009 صوب مغايرة فنية في اختيار الشعار بحيث طرح عنواناً جديداً هو «فلك الفسيفساء»، وتمحور حول الفنون الإسلامية في شمال إفريقيا، وبلغ عدد الفعاليات آنذاك 153 فعالية.
تواصل المهرجان بأفكار وطموحات جديدة في كل عام، وهكذا طرحت دورة 2010 عنوان «نقش ورقش»، وعايشنا من خلال الدورة حزمة فعاليات ضمت نحو 1500 عمل فني هي من نتاج 160 فناناً من بلدان عربية وإسلامية وأجنبية.
في عام 2011 اختار المهرجان عنوان «منمنمات»، واستقطب أهم فناني المنمنمات في دول مثل تركيا وإيران والهند والعراق، وفي عام 2012 انفتح المهرجان على الفن الإسلامي بشكله العام، ولم يحدد شعاراً للدورة تلك لكن في إطار الابتكارية والروح العصرية، فشارك 1700 عمل فني تنوعت بين اللوحة، والمجسمات والأعمال التركيبية، إضافة إلى أعمال تنتمي للفنون التطبيقية، الجرافيك، الخزف، الحلي، والسجاد.
في العامين 2013 و2014 شهد المهرجان استثناءً؛ إذ أقيمت الدورتان في عام واحد، احتفاءً بالشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية 2014 وركّز المهرجان على أهم الاختراعات مثل البوصلة والاسطرلاب.
تجليات
كان «النور» في عام 2015 موضوعاً للمهرجان، والنور الكلمة والمعنى تجل روحاني يبعث على الطمأنينة في النفس البشرية الباحثة عنه على الدوام، والمبتعدة عن كل ما هو مظلم في شتى صوره المقيتة. وفتح الشعار بدلالاته نافذة كبيرة أمام الفنانين المشاركين، ليصبح موضوعاً بصرياً يفضي لمسارات فنية من خلال أفكارهم وأخيلتهم الإبداعية.
أحال شعار دورة عام 2016 «بنيان» إلى فكرة البناء، فكل عمل فني هو، في أساسه، بناء، بحيث يتطيّف في مراحل عديدة لغاية الوصول إلى شكله النهائي. في هذه الدورة خاض الفنانون تجربة فريدة من نوعها في تجهيز الأعمال الفنية التي توحي في مضمونها بعلو في البناء تارة، ومحاكاتها للفن الإسلامي تارة أخرى، بخاصة أن العمارة تعد جزءاً أساسياً في الفنون الإسلامية.
وكل عمل فني سيترك أثراً في متلقيه. هكذا رأى القائمون على المهرجان أن تكون هذه المفردة الشعرية شعار دورة عام 2017، كي تمثّل مفاتيح أسرار الفنانين الكامنة، فلكل فنان أثره الغامض الذي يترك خلفه. وانطلقت دورة عام 2018 تحت شعار «أفق» بروح متجددة، وفتحت المجال أمام قراءة مشهد إبداعي عالمي يحتشد في الشارقة. وحلقت «أفق» في عوالم بصرية مشغولة في لحظة إبداعية تستند إلى الخيال والحدس لدى الفنان.
أما في عام 2019 فكان اختيار «مدى» شعاراً للدورة، ووفقاً لما جاء في كتيب المهرجان، فإن المدى حيز ومجال مفتوح على ما لا نهاية، يحيل إلى التأمل والانطلاق نحو عوالم بصرية تتوارى وراء المكان.
كل دورة، كما رأينا في هذا التتبّع الزمني لمسارات مهرجان الفنون الإسلامية تحمل أفكاراً ورؤى وفلسفة خطوطية وحروفية محكومة إلى الشعار الذي يعبّر عن روح تلك الدورة. ويكفي ذلك، لأن نعرف الظواهر الثقافية التي أنتجها المهرجان منذ انطلاقته في أواخر تسعينات القرن العشرين.
طيف واسع
ثقافة الخط وأبعادها الروحية الإسلامية هي ثقافة مركزية في المشهد الجمالي البصري في الإمارات، وفي ضوء هذا الانتباه المنتظم الذي توليه المؤسسات الثقافية المحلية للخط العربي، استقطب معرض دبي الدولي للخط العربي طيفاً واسعاً من مبدعي هذا الفن المتصل جذرياً بالثقافة الإسلامية واللغة العربية، لغة الشعر والقرآن الكريم.
ظهرت في الإمارات، وفي إطار اهتمامها الثقافي بثقافة الخط والثقافة الحروفية، مجلة «حروف عربية» التي عمّقت هذه الثقافة، ونشرت موضوعات محكمة منتظمة إماراتية وعربية استفاد منها الخطّاطون، بل والتشكيليون. وحظيت الثقافة الخطوطية في الإمارات بمن يدعمها ويشجعها، وأبرز مثال على ذلك القاص محمد المرّ أهم من يقتني لوحات خطية حتى على المستوى العربي، ومن المهتمين بفن الخط د.أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، واهتمام ندوة الثقافة والعلوم في دبي بشكل خاص بفن الخط.
في إحدى مواد «حروف عربية» أرجع الباحث والأديب بلال البدور جذور الخط إلى من سمّاهم الرواد: مبارك العقيلي، وهو شاعر معروف بجمال خطه، ومحمد بن عبدالرحمن بن حافظ، وحميد بن سلطان الشامسي، ومحمد بن يوسف الشيباني.
وما بعد الروّاد، يمكن الإشارة وبقوّة إلى أعمال خالد الجلّاف، ومحمد مندي، وفاطمة البقالي.
يشار أيضاً إلى أن الإمارات بيئة مثالية مفتوحة لتجارب خطية وحروفية عربية ومن بينهم السودانيان: تاج السر حسن، ومحمد مختار، والعراقيان: عدنان الشريف، ومحمد النوري، والسوري: محمد فاروق حدّاد.
دائماً هناك ما يمكن أن تُسمى شعرة معاوية بين فن الخط، والفن التشكيلي (الرسم)، أو التصوير خصوصاً، وكان بمقدور فنان تشكيلي إماراتي مهم مثل عبدالقادر الريس أن يوظف الحروف في لوحاته التشكيلية البيئية، أي تلك اللوحات التي تأخذ من البيئة الإماراتية، ومن رموزها المحلية: الباب، والنافذة، والبارجيل، وقد طُعّمت بالخط العربي.
تكامل
اهتم المجمع الثقافي في أبوظبي بفن الخط مبكراً منذ ثمانينات القرن العشرين وحتى اليوم، وتتكامل المعارض والورش التدريبية والإبداعية مع بعضها في الدولة نحو ثقافة خطية، حروفية، عربية إسلامية في أكثر من مظهر إبداعي جمالي.
في ضوء هذه الاهتمامات الأساسية الإماراتية بفن وثقافة الخط، والثقافة الحروفية، والفنون الإسلامية كان لا بد من ظهور جوائز تكرّم وتشجّع وتحترم رموز هذه الفنون الرّاسخة في ثقافتنا الإسلامية ومن أبرزها «جائزة البردة» التي أطلقتها وزارة الثقافة في عام 2004 احتفاءً
ب«التنوّع بالثقافة الإسلامية وممارساتها الجمالية، تكريماً للإبداع المتميّز في الأنماط الفنية الإسلامية التقليدية، وتقديراً للغة العربية وجمالياتها»، كما جاء في التعريف بالجائزة. وبحسب مصادر الجائزة، جرى الاحتفاء بأكثر من 300 فائزاً حتى عام 2018.
الزخرفة، فن المنمنمات، اللغة العربية والشعر العربي هي روافد جمالية رئيسية في ثقافة الفنون الإسلامية والخط والحروفية، وبذلك فإن هذا النوع من الفنون «الروحية» يكتسب احترامه الخاص في الثقافة الإماراتية المعاصرة.