وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 
عادي

تونس.. أزمة معقدة

23:09 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد عز العرب *

لا تزال تونس تواجه أزمة سياسية ودستورية حادة ترتبط بطبيعة العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية (الرئيس قيس سعيِّد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي)، وبين الرئيس وكتلة الأغلبية بزعامة حركة النهضة في مجلس نواب الشعب التونسي، ويبدو أن حسم الصراع لأحد الأطراف يبدو صعباً للغاية في ظل الأوضاع القائمة. 

ثمة مجموعة من المؤشرات الدالة على تصاعد الأزمة السياسية الدستورية داخل تونس، في الأسابيع القليلة الماضية، على النحو التالي:

1  هجوم الرئيس قيس سعيّد على ممثلي قوى الإسلام السياسي في بلاده؛ إذ وجّه خطاباً للتونسيين بمناسبة حلول شهر رمضان في 13 أبريل/نيسان الجاري، قائلاً: «إن الله توجه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين.. وحفظنا الله في هذا الشهر من الوباء الذي اجتاح العالم، ومن الأوبئة السياسية»؛ الأمر الذي بلور جدلاً واسع النطاق وخاصة بين الأحزاب السياسية حول المقصود بالأوبئة السياسية، فضلاً عن النقاش حول الاستراتيجية التي يتبعها الرئيس في مواجهة خصومه السياسيين، والتي تعد حركة النهضة في مقدمتها، لاسيما في ظل دعمها رئيس الحكومة هشام المشيشي.

وفي هذا السياق، ربطت بعض الكتابات بين تصريحات قيس سعيّد تجاه قوى الإسلام السياسي داخل تونس، وزيارته الأخيرة إلى مصر، التي شهدت إسقاط حكم «الإخوان» المسلمين منذ ثماني سنوات وإطاحة رئيسهم محمد مرسي، على نحو أعاد إلى الأذهان احتمالية «استنساخ» النموذج المصري، مع الأخذ في الاعتبار وجود تباينات بين الحالتين. 

الإسلام السياسي والمحكمة الدستورية

ولعل ما عزز ذلك الاستعداء، تصريح الرئيس قيس سعيّد خلال لقائه الجالية التونسية في مصر، بأن الواقع السياسي والدستوري في تونس مؤلم، مشدداً على أنه سيتحمل مسؤوليته لإيجاد الحل، «على الرغم من كل المناورات والمؤامرات التي فاقمت مظاهر البؤس والفقر».

2  تصعيد حركة النهضة والحزب البرلماني الداعم لها، وخاصة ائتلاف الكرامة، ضد الرئيس قيس سعيد، على نحو ما برز جلياً في أروقة مجلس نواب الشعب بتاريخ 14 أبريل الجاري؛ إذ ناقشت ما يحدث في قصر قرطاج خاصة بعد صدور تسريبات تتحدث عن تدخل أطراف من داخل وخارج القصر في التأثير على توجهات ومواقف الرئيس، فضلاً عن فتح الملف الطبي له. وقد جاء ذلك على خلفية التصريحات التي انتقد فيها الرئيس سعيّد الإسلام السياسي، ورفض التعديلات المتعلقة بالمحكمة الدستورية وإرجاعها إلى البرلمان.

3  إعلان رئيس الحكومة هشام المشيشي، في تصريحات صحفية بتاريخ 24 أبريل/نيسان الجاري، عدم تخليه عن التعديل الوزاري الذي أجراه منذ أكثر من ثلاثة أشهر، في إشارة إلى ال11 وزيراً الذين صادق عليهم مجلس نواب الشعب التونسي، ولم يباشروا مهامهم بعد، بسبب رفض الرئيس قيس سعيد دعوتهم لأداء اليمين الدستورية أمامه، على خلفية شبهات فساد تلاحق عدداً منهم؛ الأمر الذي يفسر استمرار تلك الأزمة بين جناحي السلطة التنفيذية (الرئيس ورئيس الحكومة).

4  بدء ملاحقة النائب المحسوب على حركة النهضة راشد الخياري، وذلك بعد أن نشر فيديو في 20 أبريل/نيسان الجاري اتهم فيه الرئيس قيس سعيد بتمويل حملته الانتخابية للوصول إلى كرسي الرئاسة في قرطاج في انتخابات 2019 بدعم من المخابرات الأمريكية، وزعم الخياري أن ضابط الاتصال الأمريكي أرسل خمسة ملايين دولار لرئيس الحملة الانتخابية لقيس سعيّد، وهو ما نفته السفارة الأمريكية في تونس، وأكدت «احترامها الكامل لنزاهة الديمقراطية التونسية واستقلاليتها». 

وقد أدى ذلك إلى إصدار قاضي بالمحكمة العسكرية الدائمة بطاقة ضبط وإحضار للخياري، ويرجع تدخل القضاء العسكري في القضية إلى أن الرئيس قيس سعيد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن القضية تتعلق بتخابر مع جهات أجنبية.

يوجد مساران محتملان لهذه الأزمة.

أولهما، تعقد الأزمة لاسيما في ظل فجوة المواقف بين أطرافها، ومحاولة البرلمان وفي القلب منه حركة النهضة، توفير الآلية الدستورية الوحيدة لعزل رئيس الجمهورية، وهي المحكمة الدستورية التي ظلت غائبة طوال السنوات الماضية، بحجج مختلفة. كما تتهم حركة النهضة وأنصارها، الرئيس سعيد بالإعداد لانقلاب ناعم على السلطة، ومحاولة تجميع السلطات كلها في يده، وذلك بعد رفضه التعديل الوزاري وتعطيل قانون إرساء المحكمة الدستورية، ثم انتقاده لكل قوى الإسلام السياسي، فضلاً عن تواصل الأزمات داخل النهضة وتشبث الجناح الأيديولوجي بعدم تقديم تنازلات لحل أزمة الحكم في تونس. يأتي ذلك في ظل محاولات من النهضة بعدم إبداء انزعاج من محاولات شيطنتها في خطاب المعارضة، وخاصة الحزب الدستوري الحر، الداعي إلى إخراج ممثلي الإسلام السياسي من المشهد البرلماني والسياسي؛ بل تشكلت جبهة معارضة (من الحزب الدستوري الحر وحزب الوطن وتحالف الجبهة الشعبية) معارضة لهذا التيار «المتأسلم».

والمسار الثاني هو انفراج الأزمة عبر استجابة رئيس الحكومة لدعوة عدد من أحزاب المعارضة لرئيس الحكومة المشيشي، بتقييم أداء فريقه الحكومي والإسراع في تجاوز «وزراء الإنابة» في عدد من القطاعات المهمة، من بينها الداخلية والعدل والصناعة والفلاحة، وأملاك الدولة، لاسيما في ظل وجاهة ما أشارت إليه هذه الأحزاب من أن استمرار العمل بالإنابة في ثماني وزارات يتسم عملها بالحيوية والحساسية الشديدة في ظل انتشار كورونا، وتعقد الوضع الاقتصادي، لا يمكن أن يستقيم. 

 خلل هيكلي

غير أن المسار المرجح هو الأول، لصعوبة حصول توافق بين الرئيس ورئيس النهضة على تشكيل حكومة جديدة، والاستغناء عن المشيشي، فضلاً عن صعوبة تنظيم انتخابات مبكرة، وهو السيناريو الذي يلقى دعماً من الأحزاب الصغيرة، في حين تعارضه أحزاب التحالف البرلماني بقيادة النهضة، حتى لا تخسر مكاسبها، كما أنه من المستبعد دعوة المشيشي للوزراء الذين صادق عليهم البرلمان إلى مباشرة مهامهم. 

فقدر تونس هو التأزيم لوجود خلل في هيكل النظام السياسي القائم على توازنات مختلة، يتطلب الأمر تصحيحها عبر حوار وطني موسع.

*رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"