تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.
والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.
أعظم وسيلة لتحصين الشباب تتمثل، في رأي د.صبري عبدالرؤوف، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، في ترسيخ العقيدة الصحيحة، فالإيمان بالله عز وجل يملأ القلوب طمأنينة، ويبعث في النفس الثقة بالله سبحانه وتعالى، بجانب ضرورة التوعية التي يجب أن يحصل عليها الشباب من الأسرة والمدرسة. ويشير كذلك إلى دور مهم يقع على عاتق وسائل الإعلام، بجانب دور المسجد، وضرورة إلقاء الدروس الدينية التي تتناول القضايا المعاصرة التي تهم المجتمع والشباب. ويقول: يجب أن يعيش الدعاة مع الواقع بأسلوب يتماشى مع العصر، فلا يجوز أن يكون الداعية في واد والمجتمع في واد آخر، وكلما كان الداعية له اسمه ومنزلته عند الناس استمعوا إليه وأنصتوا له، واطمأنوا إلى ما يسمعونه منه.
عندما تتكامل هذه الجهات في عملها تجاه مواجهة الجماعات المتطرفة، فإن ذلك يعد، حسب د.صبري عبدالرؤوف، ضمانة لوقاية المجتمع من مخاطر هذه الجماعات الضالة، ولذلك فإن سبل الوقاية منها ينبغي أن تكون أول ما يتبادر إلى الذهن، لأننا ينبغي أن نبادر ولا نكون رد فعل فقط لتصرفات الجماعات الإرهابية، لأنه عندما نجفف منابع التطرف والتشدد، فإننا بذلك نقطع الطريق عليها ونمنعها من تجنيد المزيد من الشباب.
ويضيف: أعداء الدين الذين يتظاهرون بالتدين وأنهم حماة الدين، يجذبون بعض الشباب ويعملون على ضلالهم بنصوص فسروها على حسب أخطائهم وأغراضهم الدينية، وعلينا أن نجمع هذه الشُّبهات التي أثارها هؤلاء لبحثها بحثاً علمياً دقيقاً، ثم يفند العلماء هذه الأكاذيب ليقنعوا المتطرفين بمخاطر أفكارهم، ويجوز نشر هذه الردود بعد دراسة علمية مقنعة.
ويلفت د.صبري عبدالرؤوف إلى ما يذكره لنا التاريخ الإسلامي عن أن سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما علم أن قوماً يؤولون القرآن الكريم على غير ما أنزل الله عز وجل، خلا بنفسه متعجباً مما علمه عن هؤلاء قائلاً: «كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال له ابن عباس رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إنما أنزل القرآن الكريم علينا فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وأنه يكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن الكريم ولا يعرفون فيما نزل، لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، وإذا اختلفوا اقتتلوا». هنا غضب سيدنا عمر من سيدنا عبدالله بن عباس، فقام ابن عباس وترك المجلس وانصرف، بعد ذلك تأمل سيدنا عمر فيما قاله سيدنا عبدالله بن عباس، فأرسل إليه فقال: أعد علي ما قلت، فأعاد عليه، فعرف سيدنا عمر قوله، لأنه علم أنه الحق.
ولذلك لابد أن تنتشر المؤسسات الدينية بين الشباب، وأن تكون هناك لقاءات دورية على جميع المستويات، وأن تضم هذه اللقاءات علماء من مختلف التخصصات، وتكون لديهم القدرة على الإقناع والرد على الشبهات رداً مقنعاً مدعوماً بالأدلة، وفق د.صبري عبدالرؤوف.
ويناشد خطباء المساجد أن يحولوها إلى إشعاع من نور عن طريق اللقاءات اليومية واستضافة كبار العلماء الأكفاء لعقد ندوات داخل المسجد، على أن يتركوا الحديث عن الرقائق جانباً، وأن نعيش مع واقعنا المعاصر، لأن الناس أصبحوا في حاجة إلى فهم ما يثار عن الإسلام من شبهات وتفنيدها والرد عليها رداً علمياً لا شكلياً، ويجب تسجيل تلك اللقاءات ونشرها على القنوات الفضائية ليستمع إليها الملايين من شتى بقاع الأرض، ويجب أن يقوم الإعلام بدوره في هذه المواجهة، واستضافة العلماء المتخصصين في البرامج والدروس الدينية، والتعمق في مناقشة القضايا، وأن تكون هناك برامج تناقش فقه الواقع، ولا تكتفي بالموعظة والرقائق، والمؤكد أن علماء الفقه المقارن والشريعة الإسلامية لديهم القدرة على دحض تلك الأفكار الضالة، والتوسع في نشر الندوات التي تفند الأكاذيب أمر ضروري للوقاية من مخاطر تلك الجماعات المتطرفة، كما أن المؤتمرات الدينية التي تعقدها المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي لها دور كبير في وضع رؤية لحماية الشباب من تلك الجماعات، وينبغي تفعيل توصيات هذه المؤتمرات على أرض الواقع.
ويشدد على أهمية التنسيق بين الدول العربية والإسلامية في عقد المؤتمرات، بهدف أن تتكامل الجهود، ويكون هناك تنسيق في الأفكار والموضوعات والقضايا الدينية، لأن كل ذلك يعد ضمانة لمحاصرة الجماعات المتطرفة في كل مكان.
الالتفاف حول القيادة
يطالب د.صبري عبدالرؤوف الشباب بعدم اتباع الهوى، ومعرفة أن كل إنسان له بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل. كذلك يدعوهم إلى الالتفاف حول قيادات الأوطان، وأن يكونوا عوناً لهم في بنائها، لا أداة لتخريبها، لأن العاقل من سلك الطريق المستقيم، وفهم دينه الفهم العميق.
ويناشد د.صبري عبدالرؤوف الشباب أن يكونوا عوناً لكل من يسعى إلى تحقيق الأمن والأمان للأوطان، وحذرهم من أخذ العلم من وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يؤخذ من العلماء المتخصصين في علوم الشريعة، ويؤكد د.صبري أن على الشباب أيضاً أن يدركوا أن حب الأوطان جزء من عقيدة المسلم.