مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التي اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد‏ ‏أبو‏ ‏القاسم‏ ‏خلف‏ ‏بن‏ ‏عباس‏ ‏الزهراوي‏ ‏الأنصاري‏ ‏القرطبي، ‏في‏ ‏عام‏ 325‏ه‏ 936‏م، ‏‏بمدينة‏ ‏الزهراء، ‏وكانت‏ ‏إحدى‏ ‏عجائب‏ ‏الدنيا، ‏أنشأها‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏الناصر‏ ‏على‏ ‏مسافة‏ ‏بضعة‏ ‏كيلو‏مترات‏ ‏من‏ ‏قرطبة‏ ‏بالأندلس وتوفي‏ ‏بها‏ ‏أيضا‏ً ‏في‏ ‏عام‏ 404 ‏ه‏ 1013‏م‏‏، ‏وتعود‏ جذوره للمدينة‏ ‏المنورة‏ ‏بالجزيرة‏ ‏العربية؛ لذا لقب بالأنصاري.
 لم‏ ‏تتوافر‏ ‏معلومات‏ ‏عن‏ ‏نشأة‏ ‏الزهراوي‏ ‏العلمية، ‏لكنه‏ ‏كغيره‏ ‏من‏ ‏علماء‏ ‏الحضارة‏ ‏الإسلامية‏ ‏درس‏ ‏مؤلفات‏ ‏السابقين، و‏الطب‏ ‏الجاهلي، ‏ونهل‏ ‏من‏ ‏علوم‏ ‏الأولين‏. ‏تلقى ‏العلوم‏ ‏المتنوعة‏ ‏في‏ ‏قرطبة، ‏عاصمة‏ ‏العلم‏ ‏والثقافة‏ ‏في‏ ‏الغرب‏ ‏الإسلامي، ‏تلك‏ ‏المدينة‏ ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تضم‏ ‏وحدها‏ ‏خمسين‏ ‏مستشفى، ‏وتقف‏ ‏فيها‏ ‏جامعة‏ ‏قرطبة‏ ‏شامخة‏ ‏عملاقة، ‏وزخرت‏ ‏مكتبتها‏ ‏بأكثر‏ ‏من‏ 250 ‏ألف‏ ‏كتاب‏. ‏درس‏ ‏الزهراوي‏ ‏كتب‏ ‏ديسقوريدس، ‏جالينوس، ‏بولس، ‏أهرن، ‏الرازي، ‏ابن‏ ‏الجزار، ‏ابن‏ ‏جلجل، ‏ابن‏ ‏البيطار، ‏وغيرهم‏. ‏وعكف‏ ‏على‏ ‏دراسة‏ ‏كل‏ ‏جديد‏، ‏ودرس‏ ‏التشريح‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يمارس‏ ‏الجراحة، ‏واعتبره‏ ‏أساساً‏ ‏لفهمها‏.‏‬ برع‏ ‏أبو‏‏القاسم‏ ‏الهراوي‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏حتى‏ ‏أنه‏ ‏عمل‏ ‏طبيبا‏ً ‏في‏ ‏بلاط‏ ‏الخليفة‏ ‏العالم‏ ‏الأديب‏ ‏الحكم‏ ‏المنتصر‏ ‏ابن‏ ‏الخليفة‏ ‏الراحل‏ ‏عبد‏ ‏الرحمن‏ ‏الناصر، ‏وامتد‏ ‏عمره‏ ‏حتى‏ ‏عهد‏ ‏هاشم‏ ‏المؤيد، ‏ابن‏ ‏الحكم‏ ‏المستنصر‏. ‏وصفه‏ ‏الحميدي‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ «جذوة‏ ‏المقتبس‏ ‏في‏ ‏أخبار‏ ‏علماء‏ ‏الأندلس» ‏بأنه‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏الفضل‏ ‏والدين‏ ‏والعلم، ‏وكان‏ ‏متواضعاً‏ ‏زاهداً، ‏صبورا‏ً ‏على ‏متاعب‏ ‏مهنة‏ ‏الطب، ‏تقياً‏ ‏ورعاً، ‏رفيقاً‏ ‏بمرضاه، ‏كريماً‏ ‏سخياً، ‏حتى‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يخصص‏ ‏نصف‏ ‏نهاره‏ ‏لمعالجة‏ ‏المرضى‏ ‏مجاناً‏. ‏ومع‏ ‏أنه‏ ‏كان‏ ‏يقضي‏ ‏معظم‏ ‏وقته‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏والصيدلة، درس‏ ‏العلوم‏ ‏الشرعية‏ ‏والعلوم‏ ‏الطبيعية، ‏ثم‏ ‏أبدع‏ ‏فيها‏.‏ أسس‏ الزهراوي ‏مدرسة‏ ‏ضمت‏ ‏تلاميذ‏ ‏نبهاء، وعرف‏ ‏الأوربيون‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏ ‏المسلم‏ ‏العظيم‏ ‏بأسماء‏ ‏أهمها‏: Alzahravis ‏محرفا‏ً ‏عن ‏(الزهراوي‏)، Albucasis،،abulcsis ‏محرفا‏ً ‏عن‏ ‏أبي‏ ‏القاسم‏. ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏الزهراوي‏ ‏نابغة‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏والجراحة‏ ‏فقط؛ ‏بل‏ ‏كان‏ ‏بارزا‏ً‏،‏ أيضاً‏،‏ ‏في‏ ‏الفلك‏ ‏والكيمياء‏ ‏والفلسفة‏.
‏ ذاع‏ ‏صيت‏ ‏الزهراوي‏ ‏شرقا‏ً ‏وغرباً، ‏لما‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏إنجازات‏ ‏واختراعات‏ ‏وابتكارات‏ ‏عظيمة‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏الجراحة، ‏خصوصاً، ‏والمجال‏ ‏الطبي‏ ‏عموماً؛ ‏بحيث‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏دعامة‏ ‏كبيرة‏ ‏استندت‏ ‏إليها‏ ‏صروح‏ ‏الجراحة‏ ‏الحديثة‏؛ إذ اخترع‏ ‏أدوات‏ ‏جراحية‏ ‏مختلفة‏ ‏الأشكال‏ ‏كالمشارط، ‏والمقصات، ‏والموسعات، ‏والكلاليب‏ ‏ ‏والمشداخ (لإخراج‏ ‏الجنين‏ ‏الميت‏) ‏وغيرها‏. ‏كما‏ ‏طور‏ ‏استعمال‏ ‏الآلات‏ ‏الجراحية‏ ‏المصنوعة‏ ‏من‏ ‏الحديد‏ ‏أو‏ ‏الذهب‏ ‏أو‏ ‏النحاس.‏ وهو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏ربط‏ ‏الشرايين‏ ‏والأوعية‏ ‏الدموية‏ ‏الكبيرة‏ ‏بالخيوط‏ ‏الحريرية‏؛ ‏بغرض‏ ‏وقف‏ ‏نزيف‏ ‏الدم‏ ‏أثناء‏ ‏الجراحة‏. ‏ونسبها ‏الجراح‏ ‏الفرنسي إمبرواز‏ ‏باري‏ ‏لنفسه، ‏‏وهو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏استخدم‏ ‏الخيوط‏ ‏المستخرجة‏ ‏من‏ ‏أمعاء‏ ‏الحيوان‏ ‏في‏ ‏خياطة‏ ‏أمعاء‏ ‏الإنسان‏، ‏وتعرف‏ ‏الآن‏ ‏باسم‏ Catgut، ‏وهي‏ ‏من‏ ‏أكثر‏ ‏الخيوط‏ ‏استعمالا‏ً ‏في‏ ‏الجراحات‏ ‏الحديثة‏.
نجح‏ ‏الزهراوي‏ ‏في‏ ‏إجراء‏ ‏عمليا‏ت ‏الجراحة‏ ‏التجميلية، ‏وكذلك‏ ‏عمليات‏ ‏تشمير‏ ‏العين، ‏وشقاق‏ ‏الشفة ‏(‏الشعرة)، ‏والإصبع‏ ‏الزائد، ‏والتحام‏ ‏الأصابع، ‏والمقعد‏ ‏غير‏ ‏المثقوف ‏في‏ ‏المواليد‏، ‏وغيرها ‏و‏ابتكر‏ ‏القسطرة‏ ‏واستخدمها‏ ‏في‏ ‏العديد‏ ‏من‏ ‏العمليات‏ ‏الجراحية‏.. ‏وكان‏ ‏دائم‏ ‏النصح‏ ‏لتلاميذه‏ ‏بعدم‏ ‏التسرع‏ ‏في‏ ‏اتخاذ‏ ‏القرار‏ ‏بإجراء‏ ‏العمليات‏ ‏الجراحية، و‏هو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏وصف‏ ‏الأوضاع‏ ‏الشاذة‏ ‏للجنين‏ ‏في‏ ‏الرحم، ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏مخترع‏ ‏مرآة‏ ‏خاصة‏ ‏للمهبل‏ (‏منظار‏)، ‏وآلة‏ ‏لتوسيع‏ ‏باب‏ ‏الرحم‏ ‏لإجراء‏ ‏العمليات‏ ‏الجراحية. ‏كما ‏برع‏ ‏الزهراوي‏ ‏في‏ ‏علاج‏ ‏كسور‏ ‏الجمجمة، ‏ ونجح‏ ‏في‏ ‏جراحة‏ ‏صابونة‏ ‏الركبة‏ ‏وكسور‏ ‏الظهر، ‏والشلل‏ ‏الناشئ‏ ‏عن‏ ‏كسور‏ ‏فقرات‏ ‏الظهر، ‏وابتكر‏ ‏عمل‏ ‏فتحة ‏(شباك‏) ‏في‏ ‏رباط‏ ‏الجبس‏ ‏في‏ ‏الكسور‏ ‏المفتوحة‏.‏ و‏ابتكر‏ ‏آلات‏ ‏جراحية‏ ‏واستخدمها‏ ‏في‏ ‏إجراء‏ ‏جراحات‏ ‏ناجحة‏ ‏لعلاج‏ ‏تشوهات‏ ‏الفكين‏ ‏وتقويم‏ ‏الأسنان‏، وهو ‏أول‏ ‏من‏ ‏استخدم‏ ‏جسور‏ ‏الأسنان‏ ‏الذهبية‏‏. ‏ 
وضع الزهراوي العديد من المؤلفات، والكتب، والأبحاث العلمية، ولعل أبرزها «كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف»، وهو موسوعة طبية من ثلاثين مجلداً، ويتحدث فيه عن الجراحة، وترجم إلى اللاتينية،وظل مرجعاً أساسياً، ومهماً لطلاب الطب في جامعات أوروبا في القرنين السادس عشر، والسابع عشر الميلاديين
‏ ‏ويقول‏ ‏ألدوميلي‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ «‏العلم‏ ‏عند‏ ‏العرب‏»: ‏إن‏ ‏الزهراوي‏ ‏أشهر‏ ‏الأطباء‏ ‏في‏ ‏الأندلس‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏العصر؛ ‏بل‏ ‏من‏ ‏أعظم‏ ‏أطباء‏ ‏المسلمين‏ ‏أيضاً، ‏وربما‏ ‏كان‏ ‏الزهراوي‏ ‏أعظم‏ ‏الجراحين‏ ‏العرب‏ ‏على ‏وجه‏ ‏الخصوص‏. 
وأطلقت‏ دائرة‏ ‏المعارف‏ ‏البريطانية على الزهراوي لقب‏ ‏أعظم‏ ‏جراح‏ ‏في‏ ‏الإسلام‏‏.‏