أ.د.حميد مجول النعيمي

يقول سبحانه وتعالى في سورة الغاشية الآيات (17-20): «أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ ‏رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ».

نتمعن في جملة (كيف سُطِحَتْ) المرتبطة بالأرض ونحاول تدارك موضع التسطيح والتسطح فيها مقابل كرويتها ما دام بعض المفسرين أخذ على العلماء خطأ كروية الأرض، إذ قالوا «وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ»، أي بسطت فيستدلون بها على قدرة الله تعالى ووحدانيته، وصدرت بالإبل لأنها أشد ملامسة لها من غيرها، وقوله «سُطحت» ظاهر في أن الأرض سطح لا كرةٌ كما قال العلماء، وإن لم ينقص ركناً من أركان الشرع، كما في تفسير الجلالين، رحمهما الله. 

 يكاد المرء، في هذا العصر، يستغرب هذه المفارقة الواقعة بين اللغة والفلك، فلقد أصبحت بدهية كروية الأرض ليس بها حاجة إلى برهان تجريبي، لأنها مصورة من الفضاء بمائها ويابسها، بغاباتها ومدنها على شكل كرة يراها المشاهد في كل يوم من على الشاشة الصغيرة تقريباً! إلا أن التقيد بمضمون الفعل المبني للمجهول، وفاعله الله سبحانه، سُطِحَتْ، مجرداً من قوله «ينظرون إلى» الوارد في أول الآية، يبعد المفسرين عن التفقه بالكلمة واستخلاص مدلولها الصحيح تماماً، لأن اللغة الفصحى تقول: نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب. وقوله تعالى: «ولا ينظر إليهم يوم القيامة»، أي لا يرحمهم. وقد تقول العرب: نظرت لك، أي عطفت عليك بما عندي. وقال الله عز وجل: «وَلا ينْظُرُ إلَيْهِمْ» ولم يقل: لا ينظر لهم، فيكون بمعنى التعطف. ورجل نظور، لا يغفلُ عن النظر إلى ما أهمه، ثم نظره ونظر إليه: أبصره وتأمله بعينه ونظر في الأمر «تدبر وفكر فيه ويقدره ويقيسه» في «المنجد»، والنظر والنظَرَانُ بفتحتين تأمل الشيء بالعين. وقد نظر إلى الشيء في «المختار»، ثم كل المعجمات الأحادية تذهب كذلك. وإن (نظر في) تفسيراً ل(نظر إلى) مسألة ممكنة في خلق الإبل ورفع السماء ونصب الجبال، إلا أن استنادنا إلى هذه النظرة في تفسير رؤية الأرض بالمسطحة لهو صحيح تماماً، لأن مدى رؤية العين محدود جداً مقارنة بسعة سطح الأرض، أي أن تقوسها لا يظهر للرائي على الإطلاق بالعين المجردة وفي هذه حكمة لله سبحانه بإخفاء كروية الأرض لتعذر إدراكها بالعين، وذكر التسطيح لسهولة تمييزه بها، حتى استطاع الإنسان التحليق عالياً في الفضاء ورأى بأم عينه كروية الأرض، بل إنها ليست كاملة التكور، إذ تمتاز ببعض التفلطح (انبعاجها عند القطبين وتفلطحها عند الاستواء). وهذا التفلطح ناتج من دوران الأرض حول محورها، إضافة إلى تأثير الجاذبية المتفاوتة الناتجة من الشمس والقمر وبعض الكواكب السيارة الأخرى على الأرض. وليس رؤية كروية الأرض ممكنة فحسب، بل تصويرها والبحث في مكنوناتها بتقنيات الاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية ودراسة جغرافيتها واقتصادياتها ومواردها الطبيعية والتجسس على حركة الإنسان..إلخ، بل من مسافات شاهقة. 
من هنا، فإن الإصرار على تسطيح الأرض المطلق، أي المنظور بالعين المجردة بغير المقدر من مسافات بعيدة في الجو مع التقدير الفيزيائي المثبت، يعني التمسك بظاهر اللغة أو بنيتها. أما التركيب العميق لها فهو الأهم الذي يحول النظر من العين المجردة إلى وسيلة أخرى تمكن الإنسان من تقدير شكل الأرض بوضوح ودقة تصل إلى السنتيمترات! والشيء نفسه يقال عن ذبذبات السمع، فما لا يستطيع الإنسان سماعه لا يعني أنه غير موجود، بل موجود ولكن على صورة غير صحيحة طبقاً لواقعه! 
ومن البديهي أن رأي الجلالين لا يمثل آراء كل أهل اللغة والتفسير والفكر، من مثل الإمام الغزالي الذي صرح بكروية الأرض، بل كان يرى أن إنكار هذه الكروية لا معنى له في الواقع. ومن البديهي أيضاً أن رأي الجلالين لا يمثل كل آراء أهل اللغة والتفسير إزاء قوله تعالى: «وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» سواء من المحدثين والمعاصرين أو المتوسطين، فمن المحدثين والمعاصرين محمد متولي الشعراوي في «معجزة القرآن» الذي نقتبس منه موقفه من قوله تعالى: «وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا» ق الآية 7 مما له علاقة بما نريد فيقول:«ومعنى المد، البسط، أي بسطناها، ونحن نرى الأرض مبسوطة أمامنا فلا تناقض بين القرآن الكريم وبين الظاهر الموجود، ولكن عندما اكتشفت كروية الأرض، ثار علماء الدين واتهموا كل من يقول إن الأرض كروية بالكفر، لأنه يخالف في رأيهم القرآن الكريم، نقول لهم قد أسأتم تفسير حقيقة قرآنية. الله سبحانه وتعالى قد أعطانا الدليل على أن الأرض كروية، بل أعطانا أكثر من دليل على ذلك في القرآن، بل إن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه خلق الأرض على هيئة كرة، إذ قال سبحانه وتعالى: «وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا» أي بسطناها».
وفي سورة الحجر 19 «وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ»، مددناها بمعنى بسطناها، ونحن نرى الأرض مبسوطة أمامنا فلا تناقض بين القرآن الكريم والظاهر الموجود، ولكن عندما اكتشفت كروية الأرض، ثار علماء الدين واتهموا كل من يقول إن الأرض كروية بالكفر، لأنه يخالف في رأيهم القرآن الكريم، نقول لهم: جانبتم تفسير حقيقة قرآنية، الله سبحانه أعطانا الدليل على كروية الأرض، فقد قال: «والأرض مددناها»، أي بسطها، معنى ذلك أنه أينما تنظر إلى الأرض تراها مبسوطة. إذا كنت على خط الاستواء، فالأرض أمامك مبسوطة، فإذا انتقلت إلى أي من القطبين الشمالي أو الجنوبي فالأرض أمامك مبسوطة، وإذا كنت في أي دولة في العالم أو في أي قارة من قارات الأرض، فالأرض أمامك مبسوطة، فهي مبسوطة أمام البشر جميعاً في كل موقع يوجدون فيه. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الأرض كروية، فلو كانت الأرض مسطحة أو مربعة أو مثلثة، في أي شكل من الأشكال لوصلنا فيها إلى حافة، وحيث إنه لا يمكن أن تصل فيها إلى حافة، فالشكل الوحيد الذي تراه مبسوطاً أمامك ولا يمكن أن تصل فيه إلى حافة هو أن تكون الأرض كروية. 
 أما بالنسبة لموقع الأرض في القرآن الكريم والكون، فنجد أن علماء الفلك والفضاء لم يتوصلوا إلى يومنا هذا إلى وجود كوكب آخر يتميز بمثل المزايا التي تميز بها كوكب الأرض من حيث الموقع في المجموعة الشمسية مقارنةً بكواكبها، ومن حيث غلافه الجوي ونسبة الغازات فيه وحمايته للكائنات الحية من مختلف الأشعة الكونية الشمسية، وكذلك من حيث أدائه المنافع التي يقدمها للساكنين عليه، فهو قارة سكنية آمنة للكائن الحي، وكل ذلك من إتقان الصانع جل جلاله.
«وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ» (النمل 88)
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك