من أمة التاريخ إلى أمة المستقبل

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. علي محمد فخرو

بيّنا في مقال الأسبوع الماضي، كيف أتيح للقبائل والشعوب التي كانت تقطن في البدء شبه الجزيرة العربية ثم يمتد وجودها من خلال الفتوحات الإسلامية عبر مساحات شاسعة من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى أرض الأندلس في إسبانيا، التفاعل والتمازج الحضاري والثقافي الإسلامي، وترسيخ هيمنة اللغة العربية كلغة ذلك الكيان السياسي وشعوبه.
  عبر القرون الهجرية الستة الأولى تم تكوين شخصية الأمة العربية أرضاً، وشعباً، وثقافة، ولغة، ومسؤولية حمل رسالة إلى الإنسانية كلها. ولم ينقطع ذلك الزخم المتعاظم إلا عندما دخل العرب تحت الحكم العثماني المستبد الذي همّشهم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ولكن الثقافة العربية الإسلامية ظلت موجودة وفاعلة في طول وعرض تلك الخلافة الإمبراطورية.
  ومع محاولة تتريك لغة وثقافة الخلافة العثمانية، وصعود القومية الطورانية مع بداية منتصف القرن التاسع عشر، عاد الوعي العربي بذات أمته، وحقها في الوجود الحضاري المستقل. فخرج كل العرب من تحت مظلة الخلافة العثمانية المنغلقة على الذات الطورانية ليقعوا في فخ الوعود الاستعمارية الأوروبية التي منعت رجوعهم إلى وحدتهم، بل وجرت تجزئتهم بواسطة مؤامرة سايكس – بيكو الشهيرة. وكان من المنطقي، واستجابة لمتطلبات تاريخ وحدوي مشترك، أن يعود زخم الأمة الواحدة الذي بُنيت كل مكوناته عبر العديد من القرون، إلى الواجهة، بعد حصول كل الأقطار العربية على استقلالها من نير الاستعمار الغربي.
  لكن حدث العكس. لقد نجح الاستعمار الغربي في زرع الكيان الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين ليفصل مغرب الوطن العربي عن مشرقه.
  ومع مرور الوقت، تكونت في أقطار الوطن العربي المستقلة طبقة من أصحاب المصالح والامتيازات المحلية التي ترى في أي توحيد لهذه الأمة خطراً على مصالحها، وامتيازاتها. ونجحت تلك الطبقة في خلق جماعات نفعية زبونية «استزلامية» تناصر كل عداء لتوحيد هذه الأمة، وتساهم في نشر كل أنواع الكذب والأباطيل والتخيّلات التي تدعي أن الوحدة القومية لهذه الأمة ستأتي بها.
  ويغمض هؤلاء عيونهم وعقولهم وضمائرهم عن رؤية الفوائد الاقتصادية والأمنية والسياسية والعلمية – التكنولوجية التي سيأتي بها أي نوع من توحيد هذه الأمة، وهذا الوطن. بل ولا يرف لهم جفن وهم يرون كيف أن تجزئة هذه الأمة قد قاد إلى ضعفها وهوانها واستباحتها من قبل القوى الاستعمارية، وإلى تخلفها المأساوي في بناء وتنمية اقتصادية وإنسانية شاملة.
  ما كان لذلك الوعي بوجود أمة، المبني على التاريخ المشترك الطويل واللغة العربية الواحدة والثقافة العربية الإسلامية المشتركة، إلا أن يقود إلى مفهومين آخرين متلازمين، هما مفهوم القومية كنهج حياتي لهذه الأمة في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومفهوم الدولة الأمة، كضرورة وجود وطن واحد يجمع كل مكوناتها. وهذا ما حصل منذ أكثر من قرن ونصف القرن، في شكل تمظهرات عدة لفكر قومي عربي حملته حركات وأحزاب ناضلت من أجل جعل ذلك الفكر متواجداً في واقع الأمة، ومتفاعلاً معه بحيوية ومرونة، يصعد أحياناً ويتراجع أحياناً أخرى، ولكنه لا يموت، ولا يتلاشى، إلا بموت الأمة فقط. ولذلك، فالقول بموت الفكر القومي هو تخريف يتعارض مع البنية الاجتماعية الحضارية، روابطها الاقتصادية والسياسية والجغرافية والمصالح المشتركة، التي بنتها الأجيال المتعاقبة عبر القرون.
   فكل الأمم، بما فيها الأمة العربية، ليست حدثاً عابراً في التاريخ وإنما هي بناء وصيرورة تاريخية وجغرافية وحضارية.
  وعندما تواجه تلك البنية والصيرورة المشاكل المؤقتة والمؤامرات الخارجية، كما هو حال الأمة العربية الآن، ويتمكن اليأس من بعض النفوس، ويتعب بعض المناضلين ويفضلون الجلوس في قارعة منتصف الطريق، عند ذاك تظهر الحاجة لأهل الإرادة والعزيمة والطموحات الكبرى ليحملوا تبعات ومسؤوليات النضال ضد المتآمرين والمشكّكين والمذعورين من الخارج والداخل، وليلتزموا بشرف إخراج الأمة من السقم والتخلف إلى حالة النهوض الحضاري المتألق.
  هؤلاء هم شابات وشباب هذه الأمة، وسيثبت المستقبل صحة ما نقول.

dramfakhro.gmail.com

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"