قاعدة التصويت كمعوّق في مفاوضات المناخ

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد *

يحاول المشاركون في مفاوضات تغير المناخ الجارية في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، واتفاق باريس لتغير المناخ، التوصل بسرعة إلى القرارات اللازمة لتجنب ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى المستوى الكارثي الذي جعلته المادة الثانية من اتفاق باريس لتغير المناخ، خطاً أحمر (أكثر من درجتين مئويتين بحول نهاية القرن مقارنة بمستوى عام 1750). ويرسم آخر تقرير للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC)، الذي صدر تزامناً مع قمة المناخ التي عُقدت، يوم الاثنين، 23 سبتمبر/ أيلول 2019، على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي كشف عن كوارث خطيرة ستحل بالدول الساحلية خصوصاً، نتيجة لارتفاع منسوب مياه المحيطات والبحار، وذوبان الطبقات والأغشية الجليدية (Cryosphere) - صورة قاتمة للمستقبل. ذلك أن الاحترار العالمي قد ارتفع درجة واحدة مئوية فوق المستوى السابق لعصر الصناعة (منتصف القرن الثامن عشر)، أي أنه بقي نصف درجة مئوية للوصول إلى السيناريو «الكارثي» الذي تحاول المادة الثانية من اتفاق باريس للمناخ تفاديه، وهو ما يفترض بلوغه في نهاية القرن الحالي.

وبخلاف الانقسامات التي تفصل بين المجموعات التفاوضية (وتحديداً بين الدول المتقدمة والدول النامية) بشأن القضايا الجوهرية لتغير المناخ (التخفيف، التكيف، بناء القدرات، التمويل، ونقل التكنولوجيا، وتدابير الاستجابة)، هنالك قضايا لا تُسلط عليها الأضواء، لكنها في غاية الأهمية بالنسبة إلى وتيرة سير المفاوضات والتقدم المحرز والمأمول منها. وفي مقدمة هذه القضايا تأتي القاعدة المعتمدة في التصويت لإقرار القرارات، وهي قاعدة توفر الإجماع؛ وكذلك قضية التمثيل غير المتوازن للقوى التي تتوزع أمكنة طاولة التفاوض، وبالتالي وجود اختلال واضح في ميزان قوى التفاوض مائل بصورة واضحة لمصلحة الدول المتقدمة.

ومن المعلوم أنه في الوقت الحالي، وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ التي وقعت عام 1992، والتي تعتبر المرجع الأساسي لأي اتفاقيات وقرارات تصدر عن مؤتمرات الأطراف والاجتماعات ذات الصلة، فإن القرارات تُتخذ بناءً على الإجماع (Consensus). ومع أنه ليس هناك تعريف رسمي للإجماع، إلا أنه يتم تفسيره عموماً على أنه اتفاق في غياب أي اعتراض محدد. وهذا يمنح كل دولة حق النقض ضد أي قرار لا يناسبها. وهو ما تسبب في كثير من الأحيان برفع جلسات الاجتماعات وتوقفها، وتعطيل وتأخير وتيرة التقدم المحرز في مجال الحد من آثار ظاهرة تغير المناخ.

وتحاول الدول الأوروبية تغيير هذه القاعدة، بجعل التصويت بالأغلبية كوسيلة من شأنها تسريع التوصل إلى تفاهمات واتفاقات أوسع نطاقاً مما هو حاصل الآن. وبالفعل، فقد تم التوصل إلى قناعة مشتركة بين طرفي التفاوض الأساسيين: الدول المتقدمة والدول النامية، بضرورة إيجاد مخرج من «مأزق» إقرار القرارات بصيغة التصويت بالإجماع. حيث قامت المكسيك ومعها بابوا غينيا الجديدة، بدعم من الاتحاد الأوروبي، وكثير من الدول النامية، باقتراح إدخال تعديل على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC)، يتعلق بالتصويت، بحيث يكون بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات بدلاً من الإجماع. ولكن هذا المقترح لا يحل المشكلة، لأن نتيجة التصويت ستكون ملزمة للدول التي تصوّت على القرار، في حين ستبقى الدول المتمسكة بالتصويت بالإجماع، ملتزمة بالقرارات التي تحظى بالإجماع فقط. بدورها، تخشى الدول المتقدمة التصويت بالأغلبية، خصوصاً في ملف التمويل المالي لمبادرات ومشاريع قضايا المناخ (التخفيف Mitigation، والتكيف Adaptation تخصيصا)، لأن الدول النامية تتمتع بأغلبية ساحقة في المفاوضات.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ye9h46bf