عبء استيراد النموذج

00:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

لكل زمان لغته ومفرداته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يكتسبها نتيجة تطور أدوات وآليات التفكير الإنساني، واتساع الأفق في التعبير عن القضايا المركزية وحتى الهامشية، وكل من يحاول إعادة زمن ما، بحمولاته اللغوية والعقائدية والفكرية والفلسفية، وحشره في الزمن الحاضر، المختلف كلياً عن ذاك الزمن، سيصطدم لا محالة- وهو اصطدام حتمي وليس مختلقاً ولا مفبركاً- بهيكلة الدول والمجتمعات، وسيجد نفسه في صراع مرير لا ينتهي، وأحياناً، في صراع غير منطقي، بشكل الواقع وجوهره. 
واللامنطق ينطلق من إصرار ساحبي الزمن من عصر غابر وطاعن في القدم، وزجّه في عصر حديث فرح بحداثته، وهو صراع أبعد ما يكون بين الأصالة والمعاصرة، لأن الأصالة كمفهوم متفق عليها من قِبل المفكرين، وكذلك المعاصرة، وإن وجدنا اختلافات نسبية في تناول الأخيرة، لكنها تصب في نهاية الجدل، في الواقع الذي خلقته ثورة تكنولوجيا المعلومات وتقنياتها المتطورة، وكذلك ثورة الاتصالات التي اقتربت من تحقيق خيال أناس وأحلامهم في زمن مضى، وهنا نجد أنفسنا أمام صراع بين الحقيقة التي كانت خيالاً، والواقع الذي كان حلماً، وبين منظومة ترفض الخيال المتجسد والحلم المترجم.
   من الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا السياق، إنشاء إمارات عقائدية دينية في زمن الجمهوريات والملكيات الدستورية. والصعوبة ليست في إنشاء الإمارة في حد ذاتها وإنما في نسخ نموذج عمره أكثر من عشرة قرون، بهيكلته ومسمياته وقوانينه ولغته، ولصقه على خريطة عصر يتحدث بتكنولوجيا النانو ويبحث في الثقوب السوداء والاحتباس الحراري وغزو المريخ والذكاء الاصطناعي، ويؤمن بحرية التعبير والمعتقد، وحرية اختيار أسلوب الحياة، بما فيها حياته الأسرية والعاطفية والشخصية، طالما أنها لا تصطدم بالمصلحة العامة والقانون العام، ولا تسبب الأذى للآخرين.
    ولنا أن نتخيّل الحوار الذي يمكن أن يدور بين شخصين أو عقليتين أو منهجين، كل واحد يستخدم لغة مختلفة لإدارة الحياة. والمشكلة الرئيسة في الفجوة بين النمطين ليس الشكل، وإنما في الجوهر.
 لقد انتهى الزمن الذي يفرض فيه أي طرف على الآخر أسلوب حياة، بما فيه الدين ومنظومة الأخلاق والقيم، لأن المسألة في النهاية تتعلق بالقناعة التامة بالفكرة، فإذا غابت القناعة تكون ممارستها كرهاً غير مجدية، لا على الصعيد الإيماني ولا على الصعيد الفكري. ومن هنا كان باب الاجتهاد مفتوحاً على مر الأزمنة، ومن يرفضه أولئك الذين يصّرون على استيراد النموذج الطاعن في القدم وبعثه من جديد، مع استخدام مفردات الحياة الحديثة. 
وهنا يمكننا تشبيه المسألة بما يحدث في الأدب، ونستطيع القول إن الأمكنة والإيقاعات الحياتية والعلاقات الإنتاجية في زمن القصيدة العمودية تختلف كلياً عن أمكنة وإيقاعات الحياة المعاصرة، بل إن الهموم والقضايا وأغراض الشعر قد تغيرت، فإذا تغيّر الجوهر فلماذا الإصرار على التمسّك بالشكل والمظهر؟ لهذا تطورت القصيدة حتى تحررت من كل القيود، ولهذا الأمر تنظيراته عند الباحثين والنقاد والمفكرين.
  إن أي زمن يحمل مصطلحاته المنبثقة من تجاربه التي قادته إلى استنتاجات باتت أشبه بالقوانين، وستتغير قوانين اليوم ولن نجدها بعد ثلاثة عقود، هكذا هي ديناميكية الحياة وتبدّل إيقاعاتها، ولهذا ابتكر المفكرون الدراسات المستقبلية في كل مجالات الحياة، لا ليتجنبوا الصراع في المستقبل، وإنما ليحققوا الانسجام في الانتقال من حقبة إلى أخرى، فلا يذهلهم ما سيتحقق، ولا يدخلون في صراعات الأجيال والأزمان.
  إننا نعيش في عصر تجاوز العولمة وتجاوز العلمانية بشكليهما التقليديين، عصر متماسك وإن ظهر مفتتاً في الظاهر، عصر يحكمه المنهج العلمي من دون التخلي عن الجانب الروحاني، ومن البديهي أن يكمل أحدهما الآخر.
 البشرية منذ وجدت في مجتمعات وهي تحيا بالاجتهاد، لتحقق السلام الإنساني، ومن دونه ستعود إلى توحشها من جديد، والحديث ذو شجون.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yj4tk8yr