مأزق فلسطيني جديد

00:50 صباحا
قراءة دقيقتين

أعاد تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينيين إلى نقطة البداية بعد توافق طال انتظاره لسنوات حول المصالحة، وإنهاء الانقسام، وإعادة اللحمة لفصائل العمل الوطني، لتتسنى مواجهة تحديات وأعباء المرحلة المقبلة، لكن الرياح لم تجر بما تشتهي السفن، ولم يطل الوقت حتى اكتشف الجميع أنهم لا يزالون في المربع الأول.
 والحقيقة أن مؤشرات تأجيل الانتخابات كانت بادية للعيان، منذ عدة أسابيع، بعدما اتضح أن حركة «فتح» تدخل الانتخابات بثلاث قوائم رئيسية، وأنه لم يعد ثمة ضمانة لفوز التيار الرئيسي في الحركة الأم باعتبارها حزب السلطة، وتجديد تفويض قيادتها وانتخاب رئيس جديد لها لن يكون سوى محمود عباس، بالنسبة لها، على الرغم من أن استطلاعات الرأي أعطت القيادي الأسير مروان البرغوثي الذي يدعم قائمة «الحرية» إحدى القوائم الثلاث للحركة، والتي يترأسها القيادي المفصول ناصر القدوة، تفوقاً واضحاً على محمود عباس. 
 الأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن تبرير تأجيل الانتخابات استند إلى رفض إسرائيل السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، والإصرار الفلسطيني على عدم إجراء الانتخابات من دون القدس، وهي مسألة تحظى بالإجماع، لكن من كان يتوقع أن إسرائيل ستمنح الإذن بإجراء انتخابات فلسطينية تنازعها السيطرة على المدينة المقدسة، خصوصاً بعد اعتراف الإدارة الأمريكية السابقة بالقدس عاصمة «موحدة» لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، وهذا بدوره يطرح سؤالا آخر هو: هل هناك في الأصل من كان يراهن على الرفض الإسرائيلي لإفشال الانتخابات في حال لم تجر الأمور لصالحه؟. 
 صحيح أن هناك اتفاق «أوسلو» الذي ينص على حق الفلسطينيين في إجراء الانتخابات في القدس الشرقية، ولكن اتفاق «أوسلو» أصبح، باعتراف الطرفين، خلف ظهر الجميع، وبالتالي لم يعد ثمة مجال لأخذ إذن إسرائيل، ما يعني واحداً من أمرين، إما إجراء الانتخابات في القدس رغمً عن إسرائيل والدخول في اشتباك معها، حتى لو قمعت العملية بالقوة، أو تكثيف الحراك السياسي الفلسطيني في الفضاء الأوروبي والمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل ، وإلزامها بتنفيذ الاتفاقات الموقعة والسماح بإجراء الانتخابات في القدس، وفي كلتا الحالتين، سيظهر الفلسطينيون كشريك أساسي في القدس مناقض لادعاء «شرعية» القدس موحدة عاصمة لإسرائيل. 
 ما يعزز موقف الرافضين لتأجيل الانتخابات الفلسطينية، أن قرار التأجيل رهن العودة لإجراء الانتخابات بسماح إسرائيل بإجرائها في القدس، وهي مسألة طويلة تجعلها بلا أفق، وتجعل إسرائيل هي من يتحكم بالأجندة الفلسطينية، خصوصا وأنها تتذرع بعدم وجود حكومة فيها (الحكومة الحالية بمثابة حكومة تصريف أعمال)، وأنها تعيش في دوامة تشكيل حكومة جديدة وسط صراعات سياسية وحزبية قد تدفع الجميع إلى خيار الذهاب لانتخابات خامسة.
 الاهتمام الفلسطيني ينصب الآن على تداعيات هذا التأجيل، وما إذا كان ذلك سيتحول إلى مأزق جديد يعيد الانقسام إلى الواجهة، ومعه كل أجواء الخلافات والمناكفات التي رافقت المرحلة الماضية، على حساب القضية الوطنية والتحديات التي تواجهها، بما في ذلك كيفية التعامل مع أية تسوية سياسية يتم طرحها لاحقاً.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjjku7tg