عادي

دراسة المستجدات اجتهاد يحبط أعمال المتطرفين

فقه الدولة
00:39 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.

والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.

يلفت د.عبدالمنعم صبحي أبوشعيشع، أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، إلى أن الله عز وجل جعل الحياة الدنيا متجددة ومتغيرة، وأن التقدم العمري أوجد في كل المجالات الدينية والدنيوية مستجدات يحتاج المجتمع إلى معرفة حكمها وضوابطها وشروطها.

ويقول: المجتمع لا غنى له عن هذه المستجدات، فهي واقع مفروض تجب مراعاته، والإسلام دين الحياة المتجددة دائماً، ومصادر الإسلام ومناهجه وأحكامه ملبية لكل مستجدات الحياة ومطالب المجتمع، لأنه دين يجمع بين الثبات والمرونة: الثبات في الأصول والكليات والقطعيات، والمرونة في الفروع والجزئيات والمتغيرات. وبهذه المرونة يواكب الإسلام كل تقدم، ويساير كل تطور، ويعاصر كل جديد حديث.

ويضيف: من الثابت عند الفقهاء أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، والسبيل إلى حسن التعامل مع المستجدات هو تجديد الخطاب الديني، بمراعاة الواقع واستنباط الأحكام والحلول التي تضبط التعامل مع هذه المستجدات، وتساعد المجتمع على الاستفادة منها. والتجديد ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة واجتهاد العلماء والفقهاء في كل العلوم الشرعية والثقافية والإنسانية. 

وتجديد الخطاب الديني يقتضي الاستيعاب الصحيح لمصادر الإسلام وأدلته وأحكامه ومناهجه ومقاصده وأهدافه، والاستيعاب الصحيح لفقه الواقع وما فيه من مستجدات وقضايا عصرية. ولا يخفى على أحد أن المؤسسات الدينية لم تأل جهداً في تجديد الخطاب الديني ودراسة المستجدات، وحصر القضايا المعاصرة في كل المجالات الفقهية والطبية والفكرية والدعوية.

ضبط

حسب د.عبدالمنعم صبحي أبوشعيشع، فإن التقدم العلمي في العصر الحالي له في كل يوم مستجدات متنوعة تحتاج إلى موسوعات علمية ومناهج دراسية وبرامج إعلامية تقف معها بالشرح والتفصيل والتأثير والتوضيح وبيان الحكم الشرعي، ولا شك أن النظر في هذه المستجدات وبيان حكمها فيهما تيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، وضبط لكل المستجدات في كل المجالات، وهذه رسالة المؤسسات الدينية وواجبها نحو المجتمع، من خلال النظر في كل المستجدات وفي كل المجالات الدينية والدنيوية، كما أن المؤسسات الدينية قادرة على إيجاد الحلول ورفع الحرج عن المجتمع وإعانته في التعامل مع كل جديد بأسلوب إسلامي. وعندما يحدث ذلك، فإن هذا يؤكد للعالم كله قدرة الإسلام على مواكبة كل جديد ومسايرة كل حديث، وأنه صالح لكل زمان ومكان وحال. ودراسة المستجدات فيها ضبط للأعمال والمعاملات في كل المجالات الإنسانية وجعلها محكومة خاضعة لشرع الله تعالى، كما أن ذلك يساعد أبناء المجتمع على التفاعل مع ما كل هو جديد، والتواصل مع أبناء المجتمعات المتطورة الذين لا يمكن الانعزال والاستغناء عنهم.

حاجة

برأي د.عبدالمنعم صبحي أبوشعيشع ، فإن دراسة المستجدات فيها حماية للمجتمع من كل صور التسيب والآفات والتحلل من المبادئ الأخلاقية، فهذه المستجدات إذا لم تحكم بأصول الإيمان وأخلاق الإسلام، فستكون وبالاً على المجتمع ودماراً له، وكل ذلك يؤكد حاجة البشرية إلى الدعوة إلى الله، عز وجل، في كل زمان ومكان وحال؛ بل إن البشرية في تقدمها أشد حاجة إلى الدعوة التي تضبط تقدمها وتحكم معاملاتها.

ويشير إلى أن الاجتهاد هو أداة التجديد والنظر في المستجدات، ويضيف: لا يخفى على أحد أن الاجتهاد من أهم جوانب علم أصول الفقه، وأنه كتبت فيه كتب كثيرة على مر العصور الإسلامية، مما يؤكد أن التجديد والنظر في المستجدات أمران قديمان في الأمة الإسلامية، وأنه لكل عصر قضاياه المستجدة، والواقع يحتاج إلى مزيد من الجهود والأعمال العلمية والموسوعات الفكرية التي تجمع وتحصر هذه المستجدات، ثم تبين المؤسسات الدينية مفهوم هذه المصطلحات في ميزان الشرع، وموقف الإسلام من المتساهلين فيها والمستغلين لها المتاجرين بها.

ويؤكد أن المجتمع في أشد الحاجة إلى انتشار هذه الموسوعات الفكرية التي تميز بين الحق والباطل، والمشروع وغير المشروع، وأن هذه الموسوعات سيكون لها أثر بالغ في إصلاح المفاهيم، وتقويم الأفكار، وإحياء الضمير، وإيقاظ القلوب، وكشف الأباطيل، وتفنيد الأكاذيب، وفضح المجرمين الذين ينطقون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا يفقهون، ويحكمون على الناس بما يجهلون.

وينبغي أن يراعى في هذه الموسوعات الفكرية، كما ينصح د.عبدالمنعم صبحي أبوشعيشع، الشمولية في تصحيح المفاهيم، فتجمع بين رأي الدين والطب وعلم النفس والاجتماع والتربية، ويراعى فيها أيضاً الوضوح في الأسلوب والعرض والهدف بعيداً عن كل صور الغموض.

ويؤكد أن الهدف من الاجتهاد ودراسة المستجدات أنه شاع في المجتمع بعض المفاهيم والأفكار المغلوطة التي روج لها أصحاب التطرف بأقوالهم، ونشرها أصحاب التشدد بأفعالهم، وأذاعها أتباع الهوى بأساليبهم، قال تعالى «مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ج إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا» الآية (5) سورة الكهف. ويقول: هذا ما وقع فيه المغالون واتهموا الناس بالافتراءات، وألقوا بهم الأكاذيب، ودفعهم الفهم الخاطئ لهذه المصطلحات إلى الاعتداء على الأبرياء والآمنين، وترويعهم وتهديدهم، كما دفعهم إلى التدمير والتخريب والإفساد في الأرض. قال تعالى «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» الآية (58) سورة الأحزاب.

أصعب صور الإصلاح

لا يخفى على أحد، وفق د.عبدالمنعم صبحي أبوشعيشع، أن إصلاح الأفكار والمفاهيم المغلوطة من أصعب صور الإصلاح، لذا فإن الأمر يقتضي معاونة كل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية للمؤسسات الدينية في إصلاح هذه المفاهيم وتصويب هذه الأفكار، فكل ذلك يعد ضمن خطط مواجهة الجماعات المتطرفة، لأن تصحيح المفاهيم ودراسة المستجدات يقطعان الطريق على ضلالها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjjknlmg