عادي

شيء من «كانجارو»

00:40 صباحا
قراءة 4 دقائق
يوسف الحسن

د. يوسف الحسن

** كلما تأملت في حياتنا السياسية والثقافية، وتابعت ما يدور فيها من حوارات ومناقشات يومية، استشعرت مدى حاجتنا لوقفة أمام لغة الخطاب نراجع فيها أساليب التعبير وتركيباته، وضبط المصطلحات، وفحص مناهج التفكير الذي يجري التعبير عنه بهذا الخطاب ولغته ومفرداته.

** ولا شك في حقيقة أن الخطاب ولغته قد تطورا عبر العقود والمراحل، وفقاً للتطور الحضاري الذي عشناه ونعيشه، ولطبيعة التحديات التي واجهتنا في شتى أقطار الأمة العربية.

** وسنلاحظ أن لغة الخطاب التي كانت شائعة في مرحلة ما قبل استقلال الدول، تختلف في أسلوبها وتركيبها عن لغة خطاب المراحل الأولى من الاستقلال، وهي تختلف عن لغة الخطاب، وبخاصة السياسي منه، في أزمنة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.. وهكذا، حيث يبدو ذلك من الطبيعي باعتبار أن اللغة كالكائن الحي تمر في أطوار، من حيث أسلوبها وتركيبها.

** لكن الملاحظ أن الحرص على بلاغة اللفظ مازال يحكم لغة الخطاب، وبخاصة السياسي، وعلى حساب وضوح المقصود من المعنى، ويتجلى ذلك في بلاغة الشعارات، والخطاب الحماسي الشعبي، وكأن بلاغة الخطاب هي الهدف بدلاً من أن تكون هي المعنى والمضمون والجوهر، مما يؤي في نهاية المطاف إلى حدوث خلل، ونشوء فجوة واسعة بين القول والعقل.

أُسجل هنا من خلال تجربة عقود من الحوارات في محافل عربية ودولية، وبخاصة الحوارات بين أتباع الديانات والمعتقدات، كيف كان الحوار يتعطل أو يضيع، بسبب قصور اللغة، وتباين معاني الكلمات والمصطلحات والمسميات عند كل طرف حيث لا تعكس الكلمات نفس المعاني والمشاعر ودرجة حساسيتها ؟.

وحيث كان منطق الطرف (أو الأطراف) العربي، هو في أغلب الأحيان، منطق الشعراء والفرسان والنشامى وأخلاق «القرية» العذراء، بينما منطق خطاب الآخر يشير سهمه دوماً إلى منطق «التفاوض»، حتى حينما يستخدم مصطلح التسامح أو الوئام، فإنه يتحدث عن تجربته وفهمه ورؤيته، وكذلك الأمر بالنسبة للتعايش والسلام وشبكات التعاون وتصورات المستقبل.

** يتحدث المشاركون في الحوارات، وينصتون لبعضهم بعضاً، وما يسمعه طرف، قد لا يعني الشيء نفسه بالنسبة للطرف الآخر، وقد لا يكون المقصود سوءاً في النوايا، وإنما في أغلب الأحيان، هو سوء فهم، واختلاف في تصورات بناء الثقة والتعايش، أو في منظومات القيم وأنساقها السائدة عند كل طرف، واختلاف مراحل التطور وفي طبيعة وتركيبة المنطق لدى كل طرف.

** يُثير عدم ضبط المصطلحات المستخدمة في الحوارات أو المفاوضات أو المناقشات، وعدم تحديدها، الكثير من الخلافات في الراهن والمستقبل، وتبدو في كثير من الأحيان وكأنها خلافات في الرأي، بينما هي ناجمة عن عدم توفر فهم مشترك للمصطلحات، فيضيع المعنى وتختفي الفكرة.

** ومن أكثر المصطلحات التي طالها التشوش والالتباس في أذهان بعض النخب، فضلاً عن أذهان العامة في المناقشات والحوارات، المفهوم المعاصر للتسامح بأبعاده الفلسفية والسياسية والقانونية والثقافية والدينية، وبالإقرار بأن البشر مختلفون بطبعهم وأديانهم وثقافاتهم، وألوانهم وألسنتهم، وبأن لهم حق الحياة بسلام، والإيمان بأن الله سبحانه خلق البشر مختلفين شعوباً وقبائل، وعقائد وأعرافاً، كي يتعارفوا ويتعاونوا، ويتعايشوا، ويتسابقوا لعمران الأرض وعمل الصالحات.

** في كثير من الحوارات ولغة الخطاب يبدو الالتباس بين الناس في فهم هذا المصطلح في صيغته المعاصرة، حيث يتم الخلط بينه وبين فضائل الصفح والمغفرة والعفو عند البعض أو فهمه بمعنى التنازل والتساهل عن الحقوق عند بعض آخر، أو قبول المصطلح كمعنى أو كقيمة مستحبة، وليس كواجب قانوني وأخلاقي ومسؤولية، أو موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخر في التمتع بحقوق الإنسان، والوئام في سياق الاختلاف.

** أنواع أخرى من الحوارات نشاهدها يومياً على شاشات التلفزة، تبدو فارغة من المعرفة، ولا تؤدي إلى مراكمة معرفية، وبخاصة حينما يتحول أسلوب الحوار إلى مناقشة المتحاور نفسه، ورفضه أو حتى تناوله شخصياً بالشتيمة والسباب، بدلاً من مناقشة أفكاره، وفي النتيجة اغتيال حوار الأفكار وإقصاء فكرة التنوع في الآراء، والعزوف عن المعرفة.

** تاريخ العالم مليء بنماذج حوارات، يتصور أطراف فيها أنهم على اتفاق، ثم تبين لهم لاحقاً أنهم على اختلاف، رغم استعمالهم نفس المصطلحات والمفردات، فمعانيها بالنسبة لكل طرف لم تكن واحدة.

** تذكرت وأنا استحضر بعض هذه الحوارات في العقود القريبة الماضية  قصة الضابط الإنجليزي توماس كوك في مرحلة الاستعمار - البريطاني لقارة أستراليا، حينما شاهد لأول مرة حيواناً غريباً خجولاً لا يجري لأن أقدامه الخلفية طويلة، ويقف عليها كالإنسان، فسأل أحد السكان الأستراليين الأصليين عن اسم هذا الحيوان، ورد عليه الرجل قائلاً: (كانجارو)، وشاع هذا الاسم، والتصق بحيوان (كانجارو)، والذي أصبح رمز أستراليا الوطني، وخلده سكانها الأصليون في تقاليدهم وأساطيرهم.

ومرت الأعوام، ثم تبين أن كلمة (كانجارو) في لغة أكبر قبائل أستراليا الأصليين، تعني (أنا لا أفهم ما تقوله).

في كثير من حوارات هذه الأيام. شيء غير قليل من (كانجارو) في الألفاظ والإشارات والإيماءات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yj7hox72