عادي

ابن حمزة المغربي.. رائد «اللوغاريتمات»

شمس الحضارة الإسلامية
00:30 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.
ولد علي بن ولي بن حمزة المغربي، في الجزائر، من أب جزائري وأم تركية، في القرن السادس عشر الميلادي، وتعلم في صباه القرآن وحفظ الحديث، وأظهر موهبة في علم الرياضيات. وعندما بلغ العشرين عزم والده أن يرسله إلى إسطنبول عند أهل والدته ليستكمل تحصيله العلمي ، فعاش فيها فترة يتعلم ويُعلِّم علم الرياضيات، وعند وصول ابن حمزة مرتبة عالية في إسطنبول أُلحق بعمل كخبير في الحسابات بديوان المال في قصر السلطان العثماني، كما هيأه إتقانه العربية والتركية لأن يُعلم أهل إسطنبول والوافدين إليها علوم الرياضيات.

مكث ابن حمزة في منصبه حتى بلغته وفاة والده، فاستقال من عمله رغبة في أن يرعى أمه. وبعد ذلك قرر أن ينتقل هو وأمه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، والإقامة بجوار البيت الحرام. وكان ابن حمزة المغربي ملماً بكل أنواع العلوم المختلفة، ولكن كان أكثر حبه علم الحساب في حله وترحاله.
وهو من العلماء الذين اشتغلوا بالرياضيات، وبرعوا وألفوا فيها المؤلفات القيّمة التي أفضت إلى تقدم النظريات في الأعداد. يقول قدرى طوقان في كتابه «تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك»: إن ابن حمزة من الذين مهّدوا لاختراع اللوغاريتمات، وإن بحوثه في المتواليات كانت الأساس الذي بُني عليه هذا الفرع من الرياضيات، بل يجب اعتباره مبتكر علم اللوغاريتمات، رغم أن علماء الغرب يصرون على أن العالم الإسكتلندي جون نابيير (1550 - 1617م)، م هو المبتكر الحقيقي لهذا العلم.
عرف ابن حمزة المغربي بالنزاهة العلمية وحسن السير والسلوك وجودة القريحة، فكان من العلماء الذين يتحرون الدقة والصدق في الكتابة والأمانة في النقل، فاشتهر بلقب «النسّاب»، لأنه كان ينسب كل مقالة أو بحث إلى صاحبه، بل فوق ذلك ينوه بفضلهم، ويعترف لهم بجميل سبقهم في مجال علم الرياضيات، بعكس ما يجري عند علماء الغرب.
ويذكر صالح زكي في كتابه «آثار باقية» أن كتاب ابن حمزة «تحفة الأعداد في الحساب لذوي الرشد والسداد لعلي بن ولي بن حمزة المغربي»، من أهم الكتب الحسابية، وهو موضوع باللغة التركية، وألّفه بمكة المكرمة ويحتوى على مقدمة، وأربع مقالات، وخاتمة، والمقدمة تبحث في تعريف الحساب وأصول الترقيم والتعداد، واستعمل أرقاماً على أشكال مخالفة للأشكال التي كانت منتشرة في عصره، وسماها الأرقام الغبارية، وتحتوى المقالة الأولى على أعمال الأعداد الصحيحة من جمع وطرح وضرب وقسمة، وتبحث المقالة الثانية في الكسور والجذور في مخارج الكسور وفي جمعها وطرحها وضربها وقسمتها، واستخراج الجذر التربيعي للأعداد الصحيحة، وكيفية إجراء الأعمال الأربعة للأعداد الصم، واستخراج جذور الأعداد المرفوعة إلى القوتين الثالثة والرابعة، أما المقالة الثالثة فتتناول البحث في الطرق المختلفة لاستخراج قيمة المجهول باستعمال التناسب وطريقة الخطأين، وطريقة الجبر والمقابلة، أما المقالة الرابعة وهى الأخيرة، فتبحث في مساحة الأشكال والأجسام، كالأشكال الرباعية والمناحية وبعض أنواع الجسوم، وفي الخاتمة أتى المؤلف على عدد كبير من المسائل التي يمكن حلها بطريقة مختلفة، ولم يكتف بذلك، بل أتى على ذكر بعض المسائل الغريبة والطريفة وقد حلها بطريقة لم يسبق إليها، ومن أشهرها المسألة المكية، يقول بن حمزة بشأن هذه المسألة إن حاجاً هندياً سأله هذه المسألة في مكة، وعجز علماء الهند عن إيجاد حل لها، والمسألة عن رجل يملك 81 نخلة، النخلة الأولى تعطي في السنة رطلاً واحداً من التمر، والثانية تعطي رطلين والثالثة تعطي 3 أرطال والرابعة 4 أرطال، وهكذا إلى النخلة الواحدة والثمانين التي تعطي 81 رطلاً، مات هذا الرجل وعنده 9 أبناء، أوصى بأن يُعطى كل ابن 9 نخلات بشرط أن يكون جميع الأبناء متساوين في عدد الأرطال التي يحصلون عليها من هذا النخيل. وضع ابن حمزة المغربي جدولاً قسم فيه النخيل بالتتابع إلى تسع مجموعات كل مجموعة تحوي 9 نخلات بحيث تشمل المجموعة الأولى النخيل من رقم 1 إلى رقم 9، والمجموعة الثانية تحوي من نخلة 10 إلى 18 وهكذا، مع الحفاظ على ترتيب النخلات في كل مجموعة من الأصغر إلى الأكبر وفي كل مجموعة نعطي النخيل أرقاماً من 0 إلى 8 مرتبة تصاعدياً أو تنازلياً. وأعطى كل واحد من الإخوة نخلة من كل مجموعة بحيث لا يأخذ أي واحد منهم نخلتين، أو أكثر لهما الترتيب نفسه في مجموعتيهما.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yegh9lzd