عادي

الإيمان بالوطن.. عقيدة

فقه الدولة
00:48 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.

والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.

قضية الوعي بالوطن ومشروعية الدولة الوطنية، وضرورة دعم صمودها، والعمل على رقيهّا وتقدمها وازدهارها، من أهم المرتكزات لصياغة الشخصية الوطنية، ومن أهم دعائم الولاء والانتماء للوطن والحفاظ على أمنه ومقدراته، وفق الشيخ عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق في الأزهر.

ويعتبر الأطرش مشروعية الدولة الوطنية أمراً غير قابل للجدل، أو التشكيك، بل هي أصل راسخ، ويقول: كل ما يدعم بناء الدولة وقوتها من صميم اعتقادنا الإيماني، وكل ما يؤدي إلى الإفساد أو التخريب أو زعزعة الانتماء الوطني، إنما يتعارض مع كل القيم والمبادئ الدينية والوطنية. والمخرج الوحيد من الأزمات التي نعانيها هو التمسك بإصرار، بمشروع الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على مبادئ المواطنة والمساواة وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، وتتجاوز بحسم محاولات الارتداد للولاءات المذهبية أو الطائفية أو العرقية، لأن طريق الإصلاح يمر بالضرورة عبر الدولة الوطنية، ولا يمكن أن يمر على أنقاضها.

ووفق الشيخ عبدالحميد الأطرش، يجب على جميع المواطنين في كل بلد أن يعلموا أن منهج الجماعات المتطرفة ضد فكرة الدولة الوطنية، لأن هذه الجماعات تقوم على أنقاض الدول، وكلما قويت الدول ضعفت وفشلت في تحقيق أهدافها.

ويشدد الأطرش على ضرورة توعية شباب المسلمين في الغرب بمنهج الإسلام في التعامل مع غيرهم، لأن الجماعات المتطرفة أصبحت تسعى لاستقطاب هؤلاء الشباب، وتعمل على الدفع بهم للانضمام إلى صفوفها، بهدف تخريب وتدمير الأوطان.

ويضيف: أول ما تسعى إليه تلك الجماعات المتطرفة العمل على هدم فكرة الدولة الوطنية التي يعيش فيها المسلمون مع غيرهم في سلام، ونظمت الشريعة الإسلامية علاقة المسلم بغيره في جميع الحالات والأماكن، وبينت أن هذه العلاقة تقوم على الحقوق والواجبات، وأن كل إنسان لو قام بواجبه وحقوقه في إطار مفهوم الدولة الوطنية، سوف يعيش المسلم، وغيره، في الوطن الواحد في استقرار وطمأنينة.

وأوضحت الشريعة الإسلامية أنه إذا كان غير المسلم يعيش في بلاد أغلبها من المسلمين، تنطلق العلاقة من أن له كل الحقوق كما للمسلم، وعليه ما عليه من واجبات،  في إطار مشروع الدولة الوطنية، وهنا تظهر حقيقة المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وهي الكليات الخمس التي تتمثل في حفظ النفس، والدين، والمال، والعقل، والعرض، وهذه الكليات الخمس للجميع، مسلمين وغير مسلمين، فغير المسلم في بلاد المسلمين له حق الإقامة مطمئناً، وواثقاً من أن الدولة تحميه وتحفظ حقوقه التي كفلتها له الشريعة الإسلامية.

وثيقة المدينة

 يوضح الشيخ عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، أن وثيقة المدينة التي وضعها الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، أقرت الحقوق لغير المسلمين الذين يعيشون في المدينة، باعتبارهم مواطنين، كما أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال في الحديث الشريف «ألا مَنْ ظلمَ معاهدًا أوْ انتقصَهُ أوْ كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ وأخذَ مِنهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا خصمُهُ يومَ القيامةِ». وأيضاً من ضمن حقوق غير المسلم الذي يعيش في بلاد أغلبها من المسلمين حق البقاء على عقيدته وأداء عبادته وفقاً لها، والله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» الآية (99) سورة يونس. كذلك لغير المسلم في بلاد المسلمين حق التعامل مع المسلمين بجميع أنواع المعاملات، ويستثنى من ذلك التي حرمها الإسلام. على الجانب الآخر، حددت الشريعة الإسلامية أيضاً ضوابط للمسلم الذي يعيش في بلاد أغلبها من غير المسلمين، وأوجبت الشريعة الإسلامية أن يقوم بأداء كل الحقوق، وأن يتعامل مع غير المسلمين بالصدق والإخلاص والتفاني في العمل، ولا يجوز له أن يستحل أموالهم، أو أن ينتهك أعراضهم، ولا تجوز خيانتهم أو الغدر بهم، وعليه أن يقدم صورة الإسلام الحقيقية، وأن يعلي من قيم المواطنة والتسامح، وأن يؤكد لهم أن الإسلام دين الرحمة، وأن تظهر أخلاق الإسلام في تعاملاته معهم.

ويؤكد الأطرش أن التوعية بهذه الحقوق والواجبات تعد أمراً في غاية الضرورة، لأن الجماعات المتطرفة التي تسعى لتشويه صورة الإسلام، تقدم صورة مختلفة لتعاليمه، وتحاول أن ترسخ لدى الشباب مفاهيم تجعلهم في حالة من الصراع مع غير المسلمين، رغم أن الإسلام يأمر بالبر والإحسان، حتى يعيش المسلم وغيره في دولة واحدة تعلي من قيمة الإنسان وتضع مصلحة الوطن فوق الجميع.

الأوطان ضمانة

حسب الشيخ عبدالحميد الأطرش، فإن المواطنة الحقيقية والدولة الوطنية ينبغي أن يتجسدا في تعامل جميع أفرادها مع بعضهم، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق. ويقول: قوة المجتمع من قوة أفراده، والدفاع عن الوطن واجب على كل من يعيش فيه، وعندما يضع الجميع مصلحة الوطن فوق المصالح الفردية، فإن الجميع سوف يعيش في استقرار وأمن وأمان، كذلك لابد من الوقوف خلف الدولة الوطنية والعمل على تقويتها، لأن ذلك يؤدي إلى مزيد من الطمأنينة لدى الجميع، فالأوطان هي الضمانة التي تجعل الإنسان يمارس حياته اليومية وعباداته في حالة من الأمن والاستقرار، ولذلك ينبغي أن يركز الخطاب الديني والإعلامي والثقافي على أهمية الدولة الوطنية وأنها ضمانة للاستقرار والأمن والأمان.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ydzh4y6h