عادي

الحضارة.. حبة قمح

الطعام مأكولاً ومقروءاً
23:59 مساء
قراءة 4 دقائق
1

محمد إسماعيل زاهر

في أحد المعارض التشكيلية اكتفى أحد الفنانين بوضع رغيف خبز فرنسي في صندوق زجاجي، البعض رأي في ذلك فانتازيا فاقعة تنتمي إلى جنون ما بعد الحداثة، وأخذ البعض الآخر الأمر على محمل السخرية أو المزاح، ولسان حال معظمهم يقول: هذا ليس بفن. كان الفنان يحتفي بتاريخ طويل لمركزية هذا الخبز في الثقافة الفرنسية، وربما أراد أن يقول أوسع من ذلك: لماذا نستمتع بمئات القصائد التي تتحدث عن سنابل القمح ومشتقاته وتترنم بالخبز، ونتحسس من رؤيته في عمل فني؟.

 هذا الفنان لم يفعل أكثر من جذب انتباهنا إلى منتج مصنوع من محصول، القمح، صنع الحضارة، وأثر بقوة لأكثر من عشرة آلاف عام في الإنسان، فأهمية القمح لا تعود إلى توفير أهم مصدر غذائي وحسب، ولكن إلى تأثيره في تركيبتنا البيولوجية نفسها. 

هل دجن الإنسان القمح أم حدث العكس؟، سؤال يطرح نفسه بقوة، ونحن نلقي نظرة على فجر الحضارة، عندما انتقل البشر من مرحلة الصيد إلى الزراعة، لم يحقق الإنسان الصياد، الذي كان يحصل على طعامه بصورة يومية أي تراكم في الطعام يسمح له بتخزينه لوقت الحاجة، ومن ثم لم يعرف الاستقرار، ولم يتمكن من بناء المدن وتشييد العمائر والمعابد..إلخ، لقد حدثت هذه الطفرات كلها مع القمح.

 أول اسم 

في حضرة القمح نقرأ للكثير من المفكرين والمؤرخين، الذين اعتبروا أن هذا المحصول غيّر حياة البشر بصورة قطعية، إذا كنت من هواة التاريخ القديم فستعثر على مركزية واضحة للقمح، الذي افتتح تدجينه ما يعرف بالثورة الزراعية، وستقرأ عن أول اسم إنسان مكتوب في التاريخ، والذي كان هو الشخص المسؤول عن توزيع الغلال، القمح أساساً في الحضارة السومرية، وهذا الإنسان لم يكن فيلسوفاً أو مفكراً أو شاعراً..أو..أو، ومع انتشار تلك المخازن زادت الحاجة إلى مزيد من الكتبة المتعلمين، ولم يخلو الأمر بالتأكيد من ضرورة توفير حرس لحماية المحاصيل من السرقة، ومن ثم نشأت أجهزة الشرطة والقوانين، ومع استقرار الحضارات، طمع بعض البلدان في فائض جيرانها من الغلال، فخاض البشر الحرب، ومع مواسم الحصاد السيئة، أو الجفاف، انعدم الخبز فعرفنا مرارة الجوع، ونتيجة لتقنيات الزراعة بدأ ظهور الأوبئة فحدثت الكوارث الكبرى. هو القمح الذي علمنا كتابة التاريخ.

أما إذا كنت من هواة الاقتصاد، فسيقول لك وزير المالية اليوناني الأسبق، يانيس فاروفاكيس في كتابه «الاقتصاد كما أشرحه لابنتي»، إن تأسيس الأنظمة التجارية، والأسواق، وصناعة النقود وامتلاك وسائل الإنتاج، وما أفرزته من علاقات طبقية..كل هذه السردية الطويلة لصراع البشر بدأت مع تحقيق الفائض من القمح.

تسلل القمح أيضا إلى شكل الإنسان، وغير في ملامحه، يرسم ستيفن هاريس في كتابه «الأعشاب»، بورتريه للبشر بعد الثورة «القمحية»، بالقول: «أصبح الفكان أكثر حساسية والأسنان أصغر»، وحدث تراجع مستمر في طول القامة.

اعتنى البشر بالقمح أكثر من أي محصول آخر، وهناك حاليا حوالي 2.5 مليون كيلو متر مربع من حقول القمح، وهو ما يساوي عشرة أضعاف مساحة بريطانيا، وبالتأكيد يحتاج الأمر إلى مزيد من الإحصائيات لرصد مساحات أكبر مزروعة بالقمح في الماضي.

وكما يحلو للبعض رصد إيجابيات وسلبيات الحضارة من زاوية حبة القمح، فإنه ارتبط كذلك بتناقض آخر، الرفاهية والجوع. في كتاب «الطبخ في الحضارات القديمة» لكاثي كوفمان تتبع لأساليب الطهي في الحضارات الكبرى في بلاد الرافدين، مصر، بلاد الإغريق وروما، ويأتي الخبز في مقدمة الأطعمة المرغوبة آنذاك، وفي كل حضارة كان هناك سحر ما للخبز، المصنوع أساسا من القمح، تطلق عليه المؤلفة بصورة عابرة «كيمياء الخبز»، وتعني به طرائق إعداد الخبز وأنواعه بحسب المناسبات المختلفة، وتأثيره في عملية الهضم، كان الرومان على سبيل المثال يأكلون الخبز ناصع البياض لأنه أسهل هضما.

1

البطل الغائب

يدخل القمح في الكثير من الأطعمة، ولكنه ارتبط أساسا بالخبز، هذا الأخير لم يكن كما يعتقد البعض مادة أساسية في غذاء الفقراء، فبعض طهاة الملوك والنبلاء والأثرياء في العصور الوسطى كانوا يعتبرونه المكون الأساسي لأي مائدة، و كان البطل الغائب الذي تعلق عليه الآمال في كل مجاعة عرفها البشر، وهو ما حفظه لنا المؤرخون عندما يستهلون حديثهم عن مقدمة المجاعة بالعبارة الشهيرة «في هذا العام انعدم القمح في الأسواق»، وهو الأمر الذي كان يرفع أسعار السلع الأخرى و يؤدي إلى تضور الناس جوعاً إذا طال أمد هذا «الانعدام»، ويعقب ذلك تفجر التوترات والهبات الشعبية، هذه الظاهرة لم تقتصر تاريخياً على الشرق الإسلامي، كما يحلو للكثيرين من كتابنا القول، ففي عام 2018، وضع الرئيس الأوكراني رزمة من القمح أمام نصب تذكاري في وسط كييف تكريماً لضحايا المجاعة التي عرفت باسم «هولودومور»، أو الموت جوعاً باللغة الأوكرانية، وذلك بمناسبة مرور 85 عاماً على وفاة ما يتراوح بين أربعة وعشرة ملايين إنسان في أوكرانيا عام 1932 بسبب «انعدام القمح». أثرت «كيمياء الخبز» أو «كيمياء القمح» بصورة أدق، في أساليب تناولنا للطعام، وصاحب ذلك تغيرات ثقافية عميقة، فلكل بلد خبزه وأنواعه المفضلة من المعجنات والحلوى والبسكويت..إلخ، وطقوسه اليومية في تناول هذه الأطعمة، أي أن القمح مكون أساسي في خبز أجسادنا، أما تأثيره الاجتماعي فكان فارقاً يصف أحد الرحالة قاهرة المماليك بالقول «تتكون القاهرة من أربعة وعشرين ألف شارع وزقاق وثمانية وأربعين ألف خباز».

بزغت المدنية مع القمح، وفي الصباح يتناول البشر أحد منتجاته، فهل نعيد من دون أن ندري حكاية القصة مع مطلع كل يوم جديد؟، وكأن لسان حالنا يقول إن الحضارة بأكملها تكمن في حبة قمح.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"