بريطانيا والبحار المتغيرة

01:05 صباحا
قراءة دقيقتين

إعلان البحرية البريطانية عزمها نشر أحدث حاملات طائراتها في الشرق الأوسط لمحاربة بقايا تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق، كان يمكن أن «يهز الدنيا» لو جاء في فترة عمّ فيها تهديد الإرهاب الآفاق، وتجاوز الحدود الإقليمية قبل سبع سنوات. 
 إرهابيو «داعش» المختبئون في شعاب سوريا والعراق، ربما يكون كثيراً عليهم تحريك الحاملة البريطانية «إتش إم إس كوين إليزابيث» المزودة بمقاتلات الشبح المتطورة وبترسانة عتاد فتاكة، ولكن الأرجح أن هذا التحرك يدخل ضمن حملة علاقات دولية عامة خططت لندن لخوضها بحثاً عن موقع لها في العالم بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولتظهر أنها تملك قوة ضاربة، وربما تحاول أن تستعيد لقب «سيدة البحار» عندما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. وهذه الخطة كانت موضع رهان لأنصار «بريكست»، على أمل أن تستعيد المملكة المتحدة المجد الذي عرفته في الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن كل المعادلات تغيرت والتوازنات اختلت. وعلى سبيل المثال فإن الهند التي كانت قبل عقود قليلة مستعمرة بريطانية، أصبحت الآن دولة نووية وقوة اقتصادية وعلمية جبارة صنعت المعجزات، ناهيك عن الصين التي تندفع بقوة للتربع على عرش القوى الدولية، رغم التصميم الأمريكي على حرمانها من ذلك.
 تعوّد العالم من الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أن تفتش دائماً عن ذريعة لتنفيذ جملة من السياسات تخدم مصالحها حصراً، دون الغفلة عن ترديد بعض الشعارات مثل «حقوق الإنسان والحريات»، و«حماية الأقليات»، و«مكافحة التطرف»؛ لترضي بذلك غروراً كامناً لديها منذ قرون.
وبناء على ما سبق، لا يخرج نشر الحاملة البريطانية الحديثة عن هذا السياق، فالهدف الفعلي يتعدى قتال «داعش» إلى «عتبة الصين»، حيث ستتحرك السفينة المتقدمة مع غواصات هجومية ومدمرات ومجموعة من القطع الداعمة الأخرى؛ لتنفيذ عمليات في المحيط الهندي ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، على خطوط التماس مع البحرية الصينية المنتشرة هناك، وهو ما قد يؤدي إلى حوادث استفزازية قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه.
 منذ التصويت على «بريكست» في 2016، بدأت السياسة الخارجية البريطانية تتسم بالحدة تجاه قوتين عظميين، هما الصين وروسيا، وأحياناً يتجاوز الخطاب بينها الخطوط الحمراء. فالصين تطور في صمت إمكانياتها العسكرية والبحرية على وجه الخصوص، وبشهادة الجنرالات الأمريكيين فإن البحرية الصينية أصبحت الأولى عالمياً من حيث عدد القطع، وهي تبني بسرعة هائلة حاملات طائرات وغواصات. أما روسيا التي تعرضت لتطاول بريطاني أكثر من مرة، خصوصاً عندما تفاخرت لندن ببناء حاملتها الجديدة واستهزأت بالروسية «الأميرال كوزنيتسوف»، وهو ما استوجب رداً ساخراً من موسكو، اعتبر «إتش إم إس إليزابيث» هدفاً سهلاً للجيش الروسي، وهو ما ينذر بأن العودة البريطانية لن تجد البحار كما كانت قبل قرون، بل ستواجه تحديات مميتة ومياهاً متغيرة ومنافسين أقوياء.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ygnghsw8