عادي

دروس من كارثة مستشفى بغداد

23:45 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. محمد فراج أبو النور *

الكارثة التي شهدها «مستشفى ابن الخطيب» في بغداد تجاوزت أصداؤها حدود العراق، ولا نبالغ إذا قلنا إنها أحدثت شعوراً عاماً بالصدمة على المستوى العربي، بسبب ضخامة عدد الضحايا والمصابين(82 ضحية) ذهبوا إلى المستشفى الشهير بحثاً عن الحماية من الموت بفيروس كورونا فاختطفهم الموت حرقاً واختناقاً.. وأكثر من مئة آخرين تعرضوا لإصابات بحروق أو اختناقات، وكان لابد من إجلائهم بعيداً عن المستشفى المنكوب لمواصلة علاجهم ليس من كورونا وحدها، بل وأيضاً من إصاباتهم الجديدة.

انفجار أنابيب الأكسجين في المستشفى، كشف عن حالة إهمال فاضحة، لم يملك رئيس الوزراء العراقي مصطفي الكاظمي إلا أن يأمر بوقف وزير الصحة في حكومته (حسن التميمي) عن العمل، هو والمسؤول عن منطقة الرصافة الطبية التابع لها المستشفى، وأن يأمر بتوقيف مدير المستشفى وكبار العاملين فيه على ذمة التحقيق.

 وكشفت التحقيقات الأولية عن تعطل منظومة مكافحة الحريق في المستشفى منذ عام (2015).. أي منذ ست سنوات كاملة، وأن إدارة المستشفى وإدارة منطقة الرصافة خاطبتا وزارة الصحة عدة مرات بهذا الشأن، وإن وزارة الصحة خاطبت وزارة المالية بطلب الاعتماد اللازم، لكن المالية لم تستجب!! وهذه أقوال غير مقبولة بالطبع في دولة معاصرة فيها مؤسسات وموازنات مفترضة لكل مؤسسة ووزارة.. الخ، والحقيقة أنه لا يمكن تفسير وجود مستشفى كبير بدون منظومة لمكافحة الحريق لمدة ست سنوات كاملة، إلا بأنه انعكاس لحالة من الإهمال والفوضى الضاربة في مجمل النظام الصحي. وليست مجرد صدفة.. وهو ما أكدته تقارير كثيرة لوسائل إعلام عربية ودولية شهادة مسؤولين عراقيين بعد وقوع الحادث مباشرة.

 علماً بأن العدد الكبير للضحايا (82) والمصابين (110) يرجع أيضاً إلى أن المستشفى المخصص لعزل مصابي كورونا، كان به عدد من المرضى أكبر بكثير من طاقته المقررة رسمياً (200 مريض) وأن مرافقه قديمة ومتهالكة.. وأن الأسقف المستعارة بالمبني سمحت بامتداد الحريق لمواد شديدة الاشتعال.

 فساد وإهمال وسوء إدارة

 وتشير التقارير التي سبق ذكرها إلى حالة عامة من انهيار وتهالك المنظومة الصحية في العراق، في إطار الضعف الواضح لمستوى منظومات الخدمات العامة وهو ما يلفت النظر بشدة في بلد نفطي، تبلغ صادراته اليومية ما لا يقل عن (3 ملايين برميل/ يومياً). إلا أن مئات المليارات من الدولارات التي حققتها عائدات النفط ومختلف أوجه النشاط الاقتصادي في العراق قد ظلت عرضة للنهب والإهدار لفترة طويلة، وخاصة خلال سنوات الحكومات السابقة، بسبب المحاصصة الطائفية، وانعدام الرقابة البرلمانية، أو حتى الإدارية الجدية وصفقات السلاح المشبوهة، وإسناد المقاولات والعمليات الحكومية بدون نظام محدد للمناقصات والمزايدات والشروط الفنية.. واستيلاء الميليشيات على موارد الدولة، بما في ذلك الموانئ والمنافذ الجمركية، في ظل تحالف بينها وبين الأحزاب الحاكمة.. وبلغ التفنن في نهب أموال الدولة درجة تسجيل أسماء وهمية بعشرات الآلاف في وحدات «الحشد الشعبي» والأمن والوظائف الحكومية والاستيلاء على مرتبات أصحاب هذه الأسماء الوهمية «الأشباح» التي لا وجود لها.

 ومن ناحية أخرى فإن نظام المحاصصة الطائفية، أهدر تماماً عنصر الكفاءة المهنية أو الوظيفية، حيث إنه لم يعد معياراً لتولي الوظائف العامة، وأدى ذلك كله إلى انهيار شامل للاقتصاد والخدمات العامة في العراق، الأمر الذي كان من الضروري أن يؤدي في النهاية إلى انتفاضة الشعب العراقي ضد كل هذه الأوضاع (ثورة أكتوبر/ تشرين 2019).. وهو انتهى إلى تولي حكومة مصطفى الكاظمي حكم البلاد وبدء الخطوات الأولى لمكافحة الفساد.

 الكاظمي.. خطوات نحو الإصلاح

رفعت حكومة الكاظمي شعارات مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح الإداري والاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، فضلاً عن الاستعداد لإجراء انتخابات نيابية مبكرة على أسس أكثر نزاهة وشفافية مما شهدته البلاد في ظل حكم الأحزاب الطائفية..

 واتخذت حكومة الكاظمي خطوات مهمة بالفعل في اتجاه مكافحة الفساد وإحالة بعض كبار المسؤولين الفاسدين للمحاكمة، وتطهير «الحشد الشعبي» وبعض مؤسسات الدولة من «الأشباح» ووضع موازنة عامة تتسم بقدر من الانضباط، فضلاً عن التوجه لإقامة علاقات أقرب إلى التوازن مع المحيط الإقليمي العربي (وخاصة مع مصر والسعودية والأردن)، إلا أن الميراث الضخم للفساد وسوء الإدارة والمحاصصة الطائفية لا يجعل إنجاز هذه المهام أمراً سهلاً بالتأكيد، حيث تتعرض حكومة الكاظمي لمقاومة مستميتة من جانب القوى المستفيدة من الأوضاع التي ذكرناها،علماً بأن هذه القوى لا تزال تمثل الأغلبية البرلمانية حتى الآن، وبالتالي فإن لديها أدوات قوية للمشاكسة.

 وعلى سبيل المثال فإن عمليات التطهير الحكومي والأمني المحدودة (للأشباح) لم تسمح بتوفير ما كان يمكن توفيره من أموال يستولي عليها الفاسدون.. كما أن «هيئة الحشد الشعبية» حصلت على موازنة قدرها (2.4 تريليون دينار عراقي// الدولار يساوي 1478 دينار) أي أقل بقليل من إجمالي موازنة وزارة الصحة!، وذلك بالرغم من تفشي كورونا، وما يفرضه من احتياج لموازنات أكبر واستثمارات في القطاع الصحي، كما حصلت وزارة الداخلية على موازنة قدرها ( 8 تريليونات دينار) ووزارة الدفاع ( 6 تريليونات). ويلاحظ المراقبون أن الأجور ونفقات التشغيل تحتل الجانب الأكبر من الإنفاق الحكومي، على حساب الإنفاق الاستثماري، وهو ما يعوق تطوير مشروعات البنية التحتية والاستثمار في مشروعات الخدمات العامة في مجالات كالصحة والتعليم، غير أن الاتجاه لضبط الموازنة يفتح الباب للأمل في تحسين الإنفاق على الخدمات العام تدريجياً، خصوصاً مع التقدم في مكافحة الفساد والإهمال وإهدار المال.

 ونعتقد أن الدرس المأساوي لكارثة مستشفى ابن الخطيب سيدفع حكومة الكاظمي إلى إبداء اهتمام أكبر بالقطاع الصحي، سواء من ناحية زيادة الاستثمار فيه، أو ضبط الأداء، خصوصاً وأن مستوى كورونا في العراق (1.25 مليون إصابة) يجعل هذه المسألة أكثر إلحاحاً بصورة منطقية.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"