شح الرمال.. مشكلة عالمية طي الكتمان

22:44 مساء
قراءة 4 دقائق

باسكال بيدوزي *

يبدو أن الشهية العالمية النهمة تجاه الرمال لن تتوقف في وقت قريب، فهي واحدة من أهم السلع في العالم ولكنها الأقل تقديراً. إلا أن المشكلة تكمن في أن هذا المورد يتدهور بشدة. 
إن مجتمعاتنا بأكملها مبنية على الرمال؛ إذ إنها المادة الخام الأكثر استهلاكاً في العالم بعد الماء، وهي مكوّن أساسي في حياتنا اليومية. 
كما أن الرمال هي المادة الأساسية المستخدمة في بناء الطرق والجسور والقطارات عالية السرعة وحتى مشاريع تجديد الأراضي. ويتم صهر الرمال والحصى والصخور المسحوقة معاً لصنع الزجاج الذي يستخدم في النوافذ وشاشات الحاسوب والهواتف الذكية، وصولاً إلى إنتاج رقائق السيليكون. 
ومع ذلك، يواجه العالم نقصاً حاداً في هذه المادة الأساسية، ويقول علماء المناخ إن ذلك يشكل أحد أكبر تحديات الاستدامة في القرن الحادي والعشرين. 
فهل حان الوقت للشعور بالهلع؟ في الواقع هذا الأمر لن يساعدنا بالتأكيد، ولكن قد حان الوقت لإلقاء نظرة فاحصة وتغيير تصورنا عن الرمال. 
نحن نظن بأن الرمال في كل مكان، ولم نعتقد أبداً بأنها ستنفد، وقد حصل هذا بالفعل في بعض الأماكن. ويتعلق الأمر بتوقع ما يمكن أن يحدث في العقد المقبل أو نحو ذلك لأنه إذا لم نتطلع إلى الأمام أو لم نتوقع الكارثة قبل حدوثها، فسوف نواجه مشكلات كبيرة بشأن إمدادات الرمال وكذلك فيما يتعلق بتخطيط الأراضي. 
وفي الوقت الحالي، ليس من الممكن مراقبة الاستهلاك العالمي للرمال بدقة. ومع ذلك، يمكن قياسه بشكل غير مباشر، حيث وجود ارتباط وثيق بين استخدام الرمل والأسمنت.
وتقدر الأمم المتحدة أنه يتم إنتاج 4.1 مليار طن من الأسمنت سنوياً، مدفوعاً بشكل أساسي من الصين والتي تشكل 58% من الطفرة العمرانية اليوم. 
ويتطلب إنتاج كل طن من الأسمنت 10 أطنان من الرمل، وهذا يعني أنه بالنسبة للبناء وحده، يستهلك العالم ما يقرب من 40 إلى 50 مليار طن من الرمال سنوياً، وهذا يكفي لبناء جدار بارتفاع 27 متراً وعرض 27 متراً يلتف حول الكوكب كل عام. 
كما أن المعدل العالمي لاستهلاك الرمال، والذي تضاعف 3 مرات على مدى العقدين الماضيين نتيجة زيادة التوسع الحضري، يتجاوز بكثير المعدل الطبيعي الذي تتجدد فيه الرمال عن طريق تجوية الصخور بفعل الرياح والمياه. 
ويمكن العثور على الرمال في كل بلد على وجه الأرض تقريباً، مما يؤدي إلى تغطية الصحاري والسواحل حول العالم. لكن هذا لا يعني أن كل الرمال مفيدة. فحبيبات رمل الصحراء، التي تآكلت بفعل الرياح بدلاً من الماء، تكون ناعمة للغاية ومستديرة؛ بحيث لا يمكن استخدامها في أغراض البناء. 
والرمل المطلوب بشدة هو الذي تكون حبيباته خشنة ويمكن أن تلتصق ببعضها، وعادة ما يتم الحصول على هذا الرمل من قاع البحار والسواحل والمحاجر والأنهار. 
القضايا المتعلقة بالرمال أصبحت مشكلة شائعة ومعقدة يتعيّن حلها. فعلى سبيل المثال، حظر استخراج رمال النهر سيكون له حتماً تأثير غير مباشر على الناس والمجتمعات التي تعتمد على هذه الممارسة؛ لكسب لقمة العيش. 
وتتصدر الصين والهند قائمة المناطق التي يؤثر فيها استخراج الرمال في الأنهار والبحيرات والسواحل، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع الطلب على البنية التحتية والإنشاءات. 
وقد حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة سابقاً من «مافيات الرمال» المزدهرة، التي تضم مجموعات تتألف من البناة والتجار ورجال أعمال معروفين في كمبوديا وفيتنام وكينيا وسيراليون، مشيراً إلى أن النشطاء الذين يلقون الضوء على أنشطة هؤلاء يتعرضون للتهديد؛ بل والقتل. 
لقد حددت لويز جالاجر، مديرة الإدارة البيئية في مبادرة مرصد الرمال العالمية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، مجموعة من الأولويات لإدارة موارد الرمال على مدى العامين المقبلين، وهي التعاون بشأن وضع معايير عالمية بخصوص استهلاك الرمل عبر جميع القطاعات، والبحث عن بدائل مجدية من حيث الكلفة للحفاظ على رمال الأنهار والبحار، وتحديد أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في القطاع المالي لتشمل استهلاك الرمال، إضافة إلى وضع أهداف إقليمية ووطنية وعالمية بشأن استخدام الرمال في النطاق الصحيح. 
إن نداء اليقظة بشأن النقص العالمي لموارد الرمال جاء في عام 2019، عندما أدركت الحكومات الأزمة البيئية لأول مرة، وتم مناقشتها أخيراً في جداول الأعمال السياسية نتيجة لقرار الأمم المتحدة. 
ولكن لسوء الحظ، فإن هذا التحدي لم يتم التعامل معه بشكل كافٍ على الساحة العالمية. 
لم يتم سن قوانين حول استهلاك الرمال، ولا يوجد معيار حول كيفية استخراجه، ولا يوجد تخطيط للأراضي التي يمكن استخراج الرمال منها والأماكن المحظورة، كما لا توجد رقابة على الأماكن التي تأتي منها الرمال.
 إن التصنيع والنمو السكاني والتحضر كلها اتجاهات من المرجح أن تغذي النمو الهائل في الطلب على الرمال، وعلينا أن نستيقظ قبل وقوع الكارثة.
 * عالم المناخ في برنامج الأمم المتحدة للمحافظة على البيئة

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"