عادي

في كتابة السير والمذكرات

00:45 صباحا
قراءة 4 دقائق
يوسف الحسن

د. يوسف الحسن

** تحتفظ ذاكرة الإنسان بمشاهد وصور، ومشاعر وانفعالات، وبتجارب حلوة وأخرى مُرَّة، يستدعيها أحياناً بإرادته، وأحياناً تقفز هذه الذكريات من تلقاء نفسها، تباغتنا فجأة وبخاصة في لحظات العزلة أو التأمل. نتذكر انفعالاً أو حدثاً أو شخصية ما تحضر بسرعة، وتتالى صورها، أو نسافر إلى الماضي،

ننبش أوراقنا وملفاتنا المستريحة في أدراج مكاتبنا، أو في صناديق كرتونية، وقد بهتت ألوانها، نمسح بأصابعنا غبار النسيان من على صفحاتها، نعيد قراءتها، ونتذكر ظروفها وشخوصها، وفرحها وأوجاعها.

** كثيرون ممن نعرفهم، وممن لا نعرفهم، كتبوا ذكرياتهم وسيرة حياتهم، ودوّنوا وقائع واعترافات، وبرروا أفعالهم أو أقوالهم ومواقفهم.

** في كتابة السير الذاتية، وقد تُدوّن في رواية، شيء من السفر إلى الماضي، لحظات الطفولة والشباب، والناس الذين عرفناهم، والحياة التي نتذكرها، وليست الحياة التي عشناها.

** تختلط الحقائق مع التوابل في حكايات أو مواقف لا تبدو أنها قد حدثت أو حدثت بالدقة الموضوعية في زمنها، لكن من المؤكد أنها لا تشبه ما كتبه أو حفره ملوك وفراعنة على جدران المعابد في عصور سلفت.

** أعرف صديقاً عزيزاً يحرص على قراءة مذكرات وذكريات ساسة معاصرين، رغم ما فيها من نواقص وهِنات وإسقاط مقصود، ويقول لي دوماً: «إن بعض الذكريات يستحق القراءة، لأن لها تاريخاً، سواء كان هذا التاريخ طيباً أم ملتبساً أو حتى غير طيب أو إشكالي، لكني أقرأها بشغف، وكأنها رواية».

** بعض المذكرات، تحمل نصوصاً تزداد أهمية مع مرور الزمن، وخاصة في المجالات السياسية والتاريخية، وبعضها تمر عليه مرور الكرام، وخاصة حينما يرتفع فيها منسوب الصراحة، والتي تكون صادمة أحياناً، كما في سيرة ذكريات الأدب والحب، التي نشرها الروائي سهيل إدريس صاحب مجلة «الآداب» قبل عشرين عاماً، حينما تحدث بجرأة غريبة عن كرهه لأبيه، بسبب علاقاته الشاذة مع شاب جميل الطلعة، كما تحدث عن خصوصيات عائلية ووجدانية.

** إن بعض هذه السير والمذكرات تمكننا من الحصول على معرفة حقيقية تساعد على فهم (ما حدث)، ولعل كتابات أمين معلوف، وبخاصة كتابه «ليون الإفريقي»، نموذج جيد للمعرفة عن الحالة الأندلسية. وكذلك ما كتبه أديب فرنسي عن حياة الطبيب والمفكر والفيلسوف اليهودي ابن ميمون، تلميذ ابن رشد، في كتاب بعنوان «طبيب قرطبة».

** يقول محمد عابد الجابري في سيرته الذاتية «حفريات في الذاكرة»: «إن هناك أشياء نتذكرها، لكن هناك أشياء لا نجد ما يوقظها في الذاكرة، إما لأننا نسيناها، أو لأنها أشياء رتيبة أو بلا معنى».

** في سيرته الذاتية، تتدفق ذكريات الجابري بعفوية بالغة، وتتغذى من مخزون ثقافي وسياسي وديني معين، بدءاً من تذكره لجدته لأمه، وهي تحمله على ظهرها، وتنشد له ترنيمات شعرية أمازيغية.

** مذكرات أخرى، قرأتها قبل أعوام، لسيدة جليلة، لا تحب الأضواء كتبتها بعفوية آسرة، وبأسلوب بسيط، عن حياتها مع زوجها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، بعد رحيله بثلاث سنوات، وقد سردت تحية جمال عبدالناصر في «ذكريات معه» منذ زواجها في العام 1944 وحتى وفاته، محطات كثيرة، من حياتها، وتفاصيل عن علاقاتها الإنسانية والعائلية، وعن بساطته وتواضعه وضميره الحي.

** مذكرات أخرى مثيرة للاهتمام، وعصارات فكرية وسياسية تحدث عنها جلال أمين في سيرته الذاتية «ماذا علمتني الحياة؟»، وقال «إنه ليس هناك إجابات نهائية وحاسمة على الأسئلة المهمة التي تشغل بالنا».

** ومما كشف عنه في مذكراته، أنه انضم إلى حزب البعث العربي في العام 1954، ليصبح بعد تخرجه في الجامعة مسؤولاً عن الحزب في مصر، حيث ضم نحو مئتين من الأعضاء، لكنه انسحب منه بعد ثلاث سنوات، إثر قيام الوحدة المصرية السورية، وحل الحزب.

** وعن أحوال قطر في الخمسينات والستينات، يتحدث الصديق علي خليفة الكواري في سيرته الذاتية وذكرياته التي نشرها تحت عنوان «العوسج» عن طفولته ودراسته الثانوية، وعمله في شركة نفط قطر، وعن أحداث الستينات في بلده، و«جَلْوة» إحدى قبائلها إلى الكويت، ودراسته في مصر وسوريا وبريطانيا.. الخ.

** وتبقى مذكرات الصديق الراحل كلوفيس مقصود والمسماة «من زوايا الذاكرة» سرداً مهماً لرحلته في «قطار العروبة»، العروبة التي كان متحمساً لها وشغوفاً بها، وحمل صخرتها على ظهره، وكرس كل حياته للدفاع عن قضايا وطنه الكبير، متجاوزاً حدود الهويات الطائفية والجغرافية. وقد سرد في هذه المذكرات تفاصيل ومفردات ويوميات تجربته الطويلة، ومحطاته السياسية والدبلوماسية والصحفية والأكاديمية، وصلاته مع رموز وقامات عالية في الثقافة والسياسة والإعلام والمجتمع الدولي، حتى وفاته في واشنطن قبل خمس سنوات.

** وبقدر ما في كتابة السير من السفر في الماضي، فإن فيها أيضاً الكثير من الاستغراق، وتسجيل لحظة العبور إلى التقاعد، وبخاصة إذا كان كاتبها من المنشغلين في السياسة، وعادة ما يقوم القارئ لها، بالبحث عن رسائل مخبئة تحت ظلال السرد.

** صحيح أن هناك الكثير من الذاتية والتبريرات في مذكرات الساسة (على سبيل المثال، مذكرات عمرو موسى)، إلاّ أن شهادات هؤلاء الساسة، تبقى منقوصة، بسبب الحرص على تحاشي ذكر قضايا أو أحداث ذات صلة بالأمن الوطني، وباعتبار أن ما لدى السياسي، من معلومات، ليس ملكه وحده، على حد قول المرحوم أسامة الباز.

** كم نحن بحاجة في الإمارات إلى جهود لحث أصدقاء وشخصيات وقامات عالية، لكتابة مذكراتها وشهادتها، لا من أجل إرضاء «الأنا»، بل من أجل تأريخ الماضي القريب، وتثقيف الجيل الشاب وتعريفه بتاريخه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yf29gg8a