ماذا بعد الانسحاب من أفغانستان؟

00:59 صباحا
قراءة 3 دقائق

سيظل قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن، بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بشكل كامل، محل توقعات وتكهنات من الآن وحتى موعد الانسحاب في 11 سبتمبر 2021. وذلك بعد عشرين عاماً من غزو أمريكا لأفغانستان، رداً على الهجوم الإرهابي لتنظيم «القاعدة» على برجي مركز التجارة العالمي. وإن كانت أولى التوقعات ترجح عودة حركة «طالبان» للسيطرة على الدولة الأفغانية؛ وحيث كان الهدف الأول للغزو الأمريكي في عام 2001، هو الإطاحة بحكومة «طالبان»، التي وفرت إقامة دائمة، وملاذاً آمناً لتنظيم «القاعدة»، ولأسامة بن لادن، وكذلك بداية ما أسمته أمريكا الحرب ضد الإرهاب.
 ولعل هذا يثير من جديد ما سبق خلال السنوات القليلة الماضية، وما تحدثت عنه مراكز استراتيجية في الولايات المتحدة من أن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد مطلقة القدرة على تحقيق ما قدرته لنفسها منذ بداية انتهاج أسلوب التدخل العسكري في الدول الأخرى.
 وكانت مسألة استخدام القوة العسكرية في تحقيق أهداف السياسة الخارجية، هي موضوع للجدل منذ التعثر العسكري الأمريكي في العراق، والذي كان من نتائجه تضاعف حجم الإرهاب في العراق، ثم امتداده إلى سوريا، ودول أخرى بالمنطقة. وذلك طبقاً لتقارير المخابرات المركزية ذاتها، وهو الإرهاب الذي كانت مواجهته هي الهدف الأول للحرب في أفغانستان، ومن بعده غزو العراق عام 2003.
 المشكلة كما يقرر خبراء عسكريون أمريكيون تقع في استحواذ روح الحرب والنزعة العسكرية على السياسة الأمريكية. ويقولون إنه طالما كان العدو الذي تتم صياغة السياسة الخارجية لمواجهته أشبه بالشبح، لأن حسابات مواجهته تقوم على الاحتمالات، والتوقعات غير المؤكدة، وليس على حقائق وبراهين واضحة بالفعل، فستظل النزعة العسكرية تسيطر على السياسة الخارجية وليس العكس. ويفترض في هذه الحالة التي يتم فيها تحديد منظور استراتيجي للعدو.. أن يستوعب الإرهاب بكافة أبعاده، ويلم بأسبابه، ونقاط ضعفه، وقوته، وكيف يتكاثر، وكيف يموت، عندئذ يأتي بعد كل ذلك تحديد السياسة المثلى لمواجهته مع دراسة أسباب تفشي الظاهرة الإرهابية في مناطق أخرى من العالم.
 لكن ما حدث من إعلان بايدن، أنه كان إقراراً بمحدودية القوة العسكرية للولايات المتحدة في تحقيق أهداف سبق إعلانها من جانبها. ومن ثم كانت العودة إلى نقطة الصفر بالانسحاب هناك، لتحل محلها حركة «طالبان» من جديد.
 لقد ثبت بالتجربة فشل استراتيجيات سابقة للولايات المتحدة، والتي كانت إدارة بوش قد أعلنتها بعد الحادي عشر من سبتمبر، ووزير دفاعها، من أن الحرب على الإرهاب لم تبدأ بعد، وأن القتال في أفغانستان هو المرحلة الأولى من هذه الحرب. كما سبق لكولن باول وزير الخارجية في الولاية الأولى لبوش، والقائد العسكري البارز، أن أعلن أن هناك مبدأ عسكرياً صار تقليداً منذ ما بعد حرب فيتنام، وهو ألاّ تدخل أمريكا أي حرب، إلا إذا كانت استراتيجية هذه الحرب توفر لها منفذاً سلساً لخروج أمريكا منها دون أن تتعرض لخسائر بشرية أو مادية، وحتى لا يصبح تدخلها، وكأنها تغوص في مستنقع ليس هناك طريق للخروج منه. وإن ذلك قد يحول الحرب إلى معركة بلا نهاية.
 لكن المستنقع الأفغاني كلف أمريكا أكثر من 2300 قتيل، وأكثر من مئة ألف مصاب، وخسائر بلغت تريليوناً من الدولارات.
 إن الفكر السياسي والعسكري الأمريكي الذي دخلت به الولايات المتحدة ميدان الحرب في أفغانستان، كان يستند في بعض مواقفه، إما إلى جهل بجغرافية المناطق التي يتدخل فيها أو بخطط تعود إلى نظريات قديمة، منها على سبيل المثال – مع الفارق الجغرافي لأماكن تدخلها – خطط تغيير حدود الشرق الأوسط، لهدف وحيد هو السيطرة على دولة، وهو ما دفعها للجوء إلى إثارة الفوضى، والقلاقل، والصراعات المسلحة، الإقليمية، والأهلية، وهي الأجواء التي استغلها الإرهاب للتواجد والانتشار.
 الهدف الأمريكي من البداية القائل بأن التدخل في أفغانستان هو إعلان حرب على الإرهاب كان من نتيجته تمدد أكثر للإرهاب، نتيجة غموض الأهداف، وتضاربها، لأن ما كانت تعلنه إدارات أمريكية عن أهدافها من الحرب، كان في حقيقته يخفي مقاصد أخرى، على غير ما تعلنه. وهو ما خلق المأزق، الذي وجدت أمريكا نفسها داخل دائرته.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjdowlwv