عادي

«هذا الأندلسي» .. رحلة المحب عامرة بالأنوار

01:44 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

الشارقة: علاء الدين محمود

تحدثنا كتب التاريخ عن الكثير من المتصوفة وأصحاب التجارب الروحية، الذين ساروا في دروب المحبة والأنوار والمعرفة، فودعوا ملذات الدنيا وأطماعها، ولكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا منعزلين، أو منفصلين تماماً عن قضايا مجتمعاتهم وأوطانهم، بل كانت لهم آراء ومواقف فكرية ناصعة.

وفي روايته «هذا الأندلسي»، يصطحب الكاتب المغربي بنسالم حميش، القراء في رحلة روحانية عامرة بالأسرار والتجليات، بطلها شخصية صوفية أندلسية معروفة، وهو عبدالحق ابن سبعين، «614  669»، وقد ذاع صيته بسبب رسالته التي حملت عنوان «المسائل الصقلية»، وهي في الأصل إجابات لأسئلة وجّهها فريدريك الثاني ملك صقلية إلى علماء المسلمين، وأجاب عنها ابن سبعين بأمر من عبدالواحد الرشيد ‏خليفة الموحدين، وتعتبر الرسالة من مظاهر التبادل الحضاري والعلمي بين الشرق والغرب.

1

الرواية تلقي ضوءاً كثيفاً على مرحلة تاريخية مهمة في حياة المسلمين والعرب، وهي الحقبة التي سبقت سقوط غرناطة، حيث ساد الضعف، وانتشر التعصب الديني والفكري، ووسط ذلك التدني ظهرت إشراقات فكرية متمثلة في بعض الشخصيات، منها بطل العمل ابن سبعين، فالرواية أرادت أن تركز على تلك الشخصية التي كان لها موقف مختلف عن السائد حينها، حيث عرف الرجل بالمواقف الفكرية المتقدمة، وتأملاته المختلفة حول الدين، كما اشتهر بالتسامح في رؤيته وأفكاره، ولكن رغم ذلك لم ينجُ من سهام بعض الفقهاء المتشددين الذين جاهر بنقدهم، الأمر الذي قاده إلى الهجرة في الأرض، ليشكل ذلك الموقف منعطفاً كبيراً في حياته.

الرواية جاءت على لسان بطلها، فهو الذي يحكي عن قصة حياته في شكل محطات كان لها الأثر في تكوينه الروحي والفكري، حيث كانت البداية بمرحلة الشباب، وهي الفترة التي شهدت مغيب شمس الأندلس، حينها لم يكن الرجل قد بدأ رحلته الروحية بعد، بل عاش صباه كغيره من أقرانه، بينما يركز العمل بصورة أساسية على فترة ما بعد الشباب والشيخوخة التي قضاها ابن سبعين مطارداً من قبل جنود السلطان بيبرس في الحجاز، ولعل من أهم تلك المنعطفات التي تناولها العمل هو بحث ابن سبعين عن مخطوطته الضائعة التي ظل يتحسر عليها، ويبدأ بالبحث عنها عبر رحلة طويلة بدأت من موطنه في الأندلس، وانتهت في الحجاز، حيث ظل هناك معتكفاً ومعتزلاً الناس حتى توفاه الأجل المحتوم.

لقاء

من المنعطفات المهمة في الرواية هي تلك التي تتناول اللقاء الذي جمع بين ابن سبعين بالمتصوف الزاهد الشاعر الأندلسي أبو الحسن الششتري، في مكة، حيث نشأت بينهما ألفة ومودة ومحبة، وكان تأثير ابن سبعين في الششتري كبيرا، فقد كان الأخير يتعامل معه كأستاذ له، وقد جمع بين الاثنين موقف فكري واحد في سياق الصراع الفلسفي والفكري الذي ساد في تلك الفترة، وعقد كثير من المؤرخين مقارنة بين علاقة ابن سبعين والششتري، بتلك التي جمعت بين جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، من حيث الأثر والتأثر، لكن بصورة عامة فإن هذا اللقاء بين ابن سبعين والششتري يعتبر من أجمل منعطفات السرد في الرواية، حيث كانت لصحبة الرجلين ثمار كبيرة في الفلسفة والتصوف.

آراء نقدية

 العمل يركز كثيراً على الآراء الفلسفية لابن سبعين، فقد عبرت عن موقف نقدي متقدم، حيث رفض الرجل تلك المبالغة للفلاسفة العرب في تأثرهم واتباعهم لآراء وأفكار الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهو يرى أن ذلك الأمر قد قيّد المفكرين العرب، وكذلك انتقد ابن سبعين الكثير من فلسفة ابن رشد، خاصة في كتابه فصل المقال، وكان له أيضاً رأي نقدي لابن سينا في تقليده للفلسفة اليونانية، وعلى الرغم من إعجابه الكبير بالفارابي، الذي لقبه بفارس الفلاسفة، إلا أن ابن سبعين قدم نقداً حول بعض مواقفه الفكرية، ويستعرض العمل الكثير من الإسهامات الفلسفية لابن سبعين، وهي كثيرة ومتنوعة. 

دفاع

حملت الرواية على عاتقها مهمة الدفاع عن ابن سبعين ضد حملات التشويه التي واجهته، وحاولت أن تعيد إليه الاعتبار في الكثير من القضايا والمواقف، لذلك ظهرت براعة الكاتب عندما جعل ابن سبعين هو الراوي، الذي يتولى بنفسه مهمة الدفاع عن أفكاره عبر مجادلات مع خصومه، ورسمت الرواية مشاهد متعددة تتناول شخصية ابن سبعين الفيلسوف والصوفي ورجل الدين، وتلك المواقف التي صاغها وعبّر عنها بطل الرواية دفعت بالكاتب إلى استدعاء جملة من أعلام الفكر والفقه والتصوف مثل ابن رشد، والتوحيدي، وابن حزم، وأبو الحسن الششتري، الأمر الذي جعل من الرواية ملحمة حقيقية شهدت حوارات ومقابلات بين أعلام كان لهم أثرهم ودورهم في الحضارة والثقافة الإسلامية. 

 الرواية كتبت بلغة بديعة من حيث توظيف الاستعارات والتشبيهات، وجاءت ثرية من حيث المعلومات التاريخية حول المدن والأعلام، وعبر قصة ابن سبعين، عملت على تناول الواقع السياسي والاجتماعي في مرحلة تاريخية حساسة وشديدة الأهمية، وهي مرحلة سقوط الأندلس، حيث ركزت على جوانب الضعف الذي اعترى الدولة الإسلامية حينها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yz9wwdbp