عادي

أبو بكر الرازي.. رائد الطب الحديث

23:51 مساء
قراءة 4 دقائق
1

‏مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد‏ ‏‏أبو‏ ‏بكر‏ ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏زكريا‏ ‏الرازي، ‏فى مدينة ‏الري‏ ‏في‏ ‏عام‏ 854‏ ميلادية، ‏وتوفي‏ ‏بها‏ ‏في‏ ‏عام‏‏ 923 م، ‏درس‏ ‏الفلسفة‏ ‏والرياضيات‏ ‏والفلك‏ ‏والعلوم‏ ‏الطبية‏ ‏والكيميائية‏ ‏والصيدلانية، ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏برع‏ ‏في‏ ‏الضرب‏ ‏على‏ ‏العود، ‏وكان‏ ‏يعتبر‏ ‏الموسيقي‏ ‏وسيلة‏ ‏للعلاج‏ ‏الطبي‏. ‏انتقل‏ ‏إلى‏ ‏بغداد‏ ‏واطلع‏ ‏على‏ ‏كتب‏ ‏ومؤلفات‏ ‏جالينوس‏ ‏وأبقراط‏ ‏وحكماء‏ ‏الهند‏. ‏يقال‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏في‏ ‏بدء‏ ‏حياته‏ ‏صرافاً، ‏ولكن‏ ‏حب‏ ‏العلم‏ ‏جذبه‏ ‏إلى‏ ‏مجاله، ‏ويقال‏ ‏إنه‏ ‏في‏ ‏شبابه‏ ‏كان‏ ‏مهتماً‏ ‏بالكيمياء، ‏وأجرى‏ ‏التجارب‏ ‏الكيميائية‏ ‏بعد‏ ‏بلوغه‏ ‏الثلاثين، ‏ثم‏ ‏تحول‏ ‏إلى‏ ‏الطب‏ ‏بعد‏ ‏بلوغه‏ ‏الأربعين‏ ‏لضعف‏ ‏أصاب‏ ‏بصره‏ ‏من‏ ‏الأبخرة‏ ‏والغازات‏ ‏الناتجة‏ ‏أثناء‏ ‏التجارب‏ ‏الكيميائية، ‏وقد‏ ‏فقد‏ ‏بصره‏ ‏في‏ ‏أواخر‏ ‏حياته، ‏لهذا‏ ‏السبب‏ ‏وكثرة‏ ‏قراءاته‏ ‏لساعات‏ ‏طوال‏ ‏كل‏ ‏ليلة‏.

اشتهر‏ ‏أبو‏ ‏بكر‏ ‏الرازي‏ ‏بألقاب‏ ‏الفيلسوف‏ ‏والموسيقي‏ ‏قبل‏ ‏دخوله‏ ‏مجال‏ ‏الطب، ‏وبعد‏ ‏انتقاله‏ ‏إلى‏ ‏بغداد‏ ‏من‏ ‏الري‏ ‏كانت‏ ‏له‏ ‏عدة‏ ‏أسفار‏ ‏لتحصيل‏ ‏العلوم‏ ‏المختلفة‏ ‏إلى‏ ‏القدس‏ ‏وشمال‏ ‏إفريقيا‏ ‏وقرطبة، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏إلى‏ ‏بغداد‏. ‏وظل‏ ‏الرازي‏ ‏طوال‏ ‏حياته‏ ‏دارساً‏ ‏باحثاً‏ ‏عالماً‏ ‏ومعلماً، ‏جعل‏ ‏من‏ ‏الطب‏ ‏رسالة‏ ‏إنسانية‏ ‏ومن‏ ‏الفلسفة‏ ‏وسيلة‏ ‏لتطوير‏ ‏المجتمع، ‏‏وقال‏ عنه ‏شروود‏ ‏تيلر:‏ ‏‏إن‏ ‏الرازي‏ ‏برز‏ ‏كموسوعة‏ ‏في‏ ‏جميع‏ ‏فروع‏ ‏المعرفة‏ ‏بدون‏ ‏استثناء، ‏فقد‏ ‏كتب‏ ‏الرازي‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏و‏الفلسفة‏ ‏والكيمياء‏ ‏والرياضيات‏ ‏وعلم‏ ‏الأخلاق‏ ‏والميتافيزيقا‏ ‏والدين‏ ‏وقواعد‏ ‏اللغة‏ ‏العربية‏ ‏والموسيقى‏ ‏و‏التيارات‏ ‏الهوائية‏. ‏هو‏ ‏في‏ ‏الحقيقة‏ ‏علامة‏ ‏عصره، ‏فكانت‏ ‏مؤلفاته‏ ‏الكثيرة‏ ‏مرجعا‏ً ‏للعلماء‏ ‏أجمع، ‏وبقيت‏ ‏كتبه‏ ‏خاصة‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏مرجعاً‏ ‏لأطباء‏ ‏أوروبا‏ ‏خلال‏ ‏العصور‏،‏‏ فهو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏كتب‏‏ ‏عن‏ ‏الحساسية‏ ‏والمناعة، ‏وأول‏ ‏من‏ ‏اكتشف‏ ‏أثر‏ ‏الحساسية‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏الحالات‏ ‏المرضية، ‏وإن‏ ‏لم‏ ‏يستخدم‏ ‏في‏ ‏كتاباته‏ ‏مصطلح‏ ‏حساسية‏.‏ كما ‏طرح‏ ‏نظرية‏ ‏خاصة‏ ‏عن‏ ‏سبب‏ ‏الأمراض‏ ‏الوبائية‏ ‏لأول‏ ‏مرة‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏الطب، ‏و‏استفاد‏ ‏منها‏ ‏العالم‏ ‏الفرنسي‏ ‏لويس‏ ‏باستير‏ ‏وأرشدته‏ ‏إلى‏ ‏اكتشاف‏ ‏الجراثيم‏.‏

إنجازاته الطبية لا يختلف عليها أحد، ‏فكان‏ ‏رائد‏ ‏الطب‏ الحديث، و‏هو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏أجرى ‏التجارب‏ ‏العلاجية‏ ‏على‏ ‏الحيوان‏ ‏قبل‏ ‏تطبيقها‏ ‏على‏ ‏الإنسان،‏ كما ‏برع‏ ‏في‏ ‏طب‏ ‏وجراحة‏ ‏العيون، ‏سواء‏ ‏في‏ ‏الجراحة‏ ‏أو‏ ‏الفسيولوجيا، ‏وصنف‏ ‏أمراض‏ ‏القرنية‏ ‏بغير‏ ‏ماذكره‏ ‏أستاذه‏ ‏حنين‏ ‏بن‏ ‏إسحاق‏.‏ ووضح في كتابه كيفية وآلية الإبصار في العين. وهو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏فصل‏ ‏طب‏ ‏الأطفال‏ ‏عن‏ ‏الطب‏ ‏العام‏.‏ وعالج‏ ‏بعض‏ ‏الأمراض‏ ‏بنظام‏ ‏التغذية‏ ‏وحده‏.‏ كما ‏ابتكر‏ ‏استخدام‏ ‏خيوط‏ ‏الجراحة‏ ‏المصنوعة‏ ‏من‏ ‏الأنسجة‏ ‏الحيوانية، ‏وهي‏ ‏الخيوط‏ ‏المعروفة‏ ‏ب‏ «‏القصاب‏».‏ وهو ‏أول‏ ‏من‏ ‏وصف‏ ‏استخدام‏ ‏جبيرة‏ ‏الجبس‏ ‏في‏ ‏علاج‏ ‏كسور‏ ‏العظام‏.‏ 

واخترع الفتيلة المستخدمة عند إجراء العمليات الجراحية، وأداة قياس الوزن النوعي للسوائل، واستخدم السكريات المتخمرة لتحضير الكحول، كما أبدى اهتماماً بعمليّة تشريح جسم الإنسان. وأسس علم الإسعافات الأولية التي تقدم في حالات الحوادث، وصنع مراهم الزئبق، ويعتبر أول من أدخل الملينات في علم الصيدلة، وأول من أوجد فروقاً بين النزيف الشرياني، والنزيف الوريدي، كما استخدم الربط حتى يوقف الشرياني، والضغط بالأصابع حتى يوقف الوريدي، وهو ما زال استخدامه قائماً. ويعتبر أول من ذكر حامض الكبريتيك الذي سمّي باسم الزيت الأخضر أو زيت الزاج. وقسم المعادن إلى أكثر من نوع على حسب خصائصها، وحضر عدداً من الحوامض التي مازالت طرق تحضيرها متبعة حتى وقتنا الحالي.

شغلت‏ ‏المؤلفات‏ ‏الطبية‏ ‏مساحة‏ ‏كبيرة‏ ‏في‏ ‏إنتاج‏ ‏الرازي‏ ‏العلمي، ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏عدد‏ ‏مؤلفاته‏ ‏في‏ ‏الكيمياء‏ ‏والرياضيات‏ ‏والمنطق‏ ‏والفلك‏ ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏المؤلفات‏ ‏التي‏ ‏فاق‏ ‏عددها 220 ‏مؤلفاً. وضاع‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏كتب‏ ‏الرازي‏ ‏ومصنفاته، ‏ومعظم‏ ‏الموجود‏ تفخر‏ ‏باقتنائه‏ ‏مكتبات‏ ‏جامعات‏ ‏أوروبا‏ ‏ودور‏ ‏البلدية‏ ‏فيها، ‏ولاتزال‏ ‏جامعة‏ ‏برنستون‏ الأمريكية‏ ‏تحتفظ‏ ‏بكتبه‏ ‏في‏ ‏قاعة‏ ‏فخمة‏ ‏أطلقت‏ ‏عليها‏ ‏اسمه‏.‏ ومن هذه المؤلفات «أخلاق الطبيب»، «طبقات الأبصار»، «هيئة العالم»، «،في الفصد والحجامة»، «الطب الروحاني»، «المدخل إلى المنطق»، «إنّ للعبد خالقاً»، «الحاوي‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏التداوي»، ‏‏وهو كتاب‏ ‏موسوعي‏ ‏شامل‏ ‏يقع‏ ‏في‏ ‏ثلاثين‏ ‏مجلدا، ‏يبحث‏ ‏في‏ ‏مختلف‏ ‏الأمراض‏ ‏التي‏ ‏تصيب‏ ‏جميع‏ ‏أعضاء‏ ‏جسم‏ ‏الإنسان، واعتمدت‏ ‏جامعات‏ ‏أوروبا‏ ‏في‏ ‏تدريس‏ ‏الطب‏ ‏على‏ ‏كتاب‏ «الحاوي‏» ‏حتي‏ ‏منتصف‏ ‏القرن‏ ‏السابع‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي، ‏وكان‏ ‏أحد‏ ‏الكتب‏ ‏التسعة‏ ‏التي‏ ‏تكونت‏ ‏منها‏ ‏مكتبة‏ ‏مدرسة‏ ‏الطب‏ ‏جامعة‏ ‏باريس‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الرابع‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي، ‏ومن‏ ‏قبل‏ ‏هذا‏ ‏كان‏ ‏هو‏ ‏الكتاب‏ ‏الطبي‏ ‏الوحيد‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏المكتبة‏. ‏

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"