عندما يخضع المجتمع للهيمنة

00:27 صباحا
قراءة دقيقتين

د. علي محمد فخرو

أية مؤسسة بقيت في  معظم مجتمعات بلاد العرب من دون أن تهيمن عليها، مؤسسات الحكم العربية؟
 فمؤسسات التشريع والرقابة أصبحت أغلبها صورية إما من خلال انتخابات مزورة، وإما من خلال ليّ أذرع وابتزاز غير المطيعين، أو من خلال تنظيمات وقوانين تحد من قدرتها على قيامها بواجباتها التشريعية والرقابية بحرية واستقلالية لا تراعي إلا مصالح المواطنين العامة.
 وفضائح التدخل في أمور السلطات القضائية، من تعيين الفاسدين المرتشين إلى إقصاء أصحاب الضمائر والعدل بشتى الحجج، تزكم الأنوف وتشير إلى قرب موت آخر معقل للعدالة.
 وخلق مؤسسات وهمية، من مثل النقابات العمالية المستقلة المرادفة للانتهازية، أو من مثل مؤسسات حقوق الإنسان المضادة لكل ما تقوله مؤسسات حقوق الإنسان العالمية المستقلة، أو من مثل حل مجالس إدارة الجمعيات المهنية والأهلية إذا كانت من غير أصحاب الولاءات لهذه الجهة أو لتلك الشخصية، وعشرات غيرها، ليصبح المجتمع خاضعاً لسلطة الدولة بدلاً من خضوع الدولة لحقوق ومصالح وتطلعات مجتمعاتها الحرة المستقلة.
 وبالطبع، وقبل كل شيء، استعمال المؤسسات الدينية مع فقهائها المتربين على الطاعة العمياء لكل أمر أو توجيه باسم الدين أو باسم فهم بليد وتفسير سطحي للرسالات السماوية؛ لتبرير كل أخطاء وموبقات ومظالم السياسة، تماماً كما تلبس بائعة الهوى لباس الحشمة.
 وهكذا، ومنذ ثلاثة أيام، احتفل العالم، بما فيه بلاد العرب، بيوم الصحافة. ولقد بكيت حرقة وأنا أستمع، من خلال شتى المقابلات التلفزيونية والاتصالات الإذاعية، لشكاوي وقصص وأحزان ومخاوف العاملين في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى العربية، كانت الشكاوى والآهات واحدة متطابقة للمنتمين لكل الأقطار العربية.
 الأغلبية الساحقة تحدثوا عن الضغوط الشخصية والمهنية والمالية التي تمارسها وزارات الإعلام أو بعض الوزارات؛ لتحد من قدرتهم على نقل الأخبار الصحيحة، إذا كانت تنتقد الأوضاع العامة، أو التعبير عن الأفكار السياسية التحررية. بعضهم فصلوا من وظائفهم وبعضهم الآخر دخلوا السجون. بعض العاملين هددوا بالقتل أو حتى قتل الأقارب. وبالطبع بعضهم وبعضهن هاجروا إلى المنافي؛ حفاظاً على الأرواح أو على الشرف أو على الضمير.
 ولقد تفننت بعض الحكومات في إصدار القوانين الغامضة، المملوءة بالكلمات القابلة لألف تفسير، من أجل جعل كل إعلامي غير زبوني أو كاذب يشعر بأن جبروت المخابرات وميليشيات التعذيب في السجون حاضرة أمامهم في الحلم وفي الخيال. ومن هنا، كما قال بعضهم، التشابه التام بين كل ما يتلفظ به «كبار» الإعلاميين؛ إذ إن مصدره الخفي واحد، والرشوة واحدة.
 وهكذا يحق لنا أن نسأل: هل بقيت مؤسسة مجتمعية  في أرض العرب لم تقع في شباك الهيمنة والاستعمال الانتهازي لمصالح الامتيازات والمكانات والتاريخ المزور؟
حاولت، وأنا أستمع لأنين أصحاب الصحافة، أن أسمي مؤسسة مجتمعية عربية واحدة خارج ذلك السجن المريع، ولكني فشلت.
 إنها لعنة شيطانية يحار الشياطين أنفسهم أمام جبروتها وأهوالها.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"