عادي

«لا تسقني وحدي».. الإيمان دعوة للإيثار

أثر القلب
23:10 مساء
قراءة 4 دقائق
1

الشارقة: علاء الدين محمود

تلك هي حياة السالك، بحث مستمر عن المعرفة وأنوار الحقائق، وعلى الرغم من صعوبة الرحلة وطول المسير، فإن المؤمن الحقيقي بزهده وتركه للملذّات والأطماع وترويضه لنفسه وتهذيبه لها، يرى في ذلك العنت الذي يلقاه جمالاً وثمرات يقبل عليها بنفس راضية وهمة عالية، فكلما ازداد تعبه ارتقت روحه. 

وفي روايته «لا تسقني وحدي»، يأخذنا الكاتب سعد مكاوي، إلى تفاصيل رحلة روحانية بديعة تتحول فيها المتاعب والمصاعب في صحراء قاحلة، إلى رصيد من المعارف والإشراقات والتجليات، هي رواية قصيرة في عدد صفحاتها التي لا تتجاوز المئة، لكنها مختصر مفيد لسفر طويل لعابد متبتل في محراب الإيمان بربه. 

1

بطل القصة هو علاء الدين الذي أراد أن يترك حياة لم تُعجبه في قريته بصعيد مصر، حيث ساد الظلم والعادات السيئة، فعزم على هجر كل ذلك لينأى بنفسه عن العيش في تلك العوالم التي لم يحتملها، فتوجه نحو القاهرة في رحلة البحث عن الروح والزهد والأنوار والنفحات الربانية، فقد كانت نفسه تحدثه بالحب والإيمان، وكان خليله في تلك الرحلة صديقه مروان، الذي تأذى هو الآخر من نمط الحياة في القرية، ليخوضا معاً تفاصيل رحلة قاسية جداً في صحراء مترامية الأطراف، وجبال وطرق وعرة، كانت تُرهبهم الأصوات الغريبة والمخيفة من فحيح الأفاعي المخيفة، وعواء الذئاب المفترسة الجائعة، وزحف العقارب، وهو الأمر الذي وجد فيه مروان عنتاً يفوق قدرته على الاحتمال، فقد كان أقل عزماً من صديقه علاء الدين، فينشأ خلاف بينهما، حيث اتهم مروان صديقه علاء بالجنون وأنه لا يهتم إلا بالمواويل والبحث عن الغرائبيات، وأبدى ندمه على طاعته له وتركه لزوجته وحيدة في القرية، وحاول علاء بدوره أن يُثني صديقه ليكملا سفرهما معاً، خاصة أنها رحلة تنشد الألق الروحي والصفاء النفسي والبحث عن محبة الله تعالى، لكن مروان رفض الاستماع إليه، ليكمل علاء الدين رحلته وحيداً، يغني وينشد المواويل ليقتل الصمت ويهزم الخوف، وهي المواويل التي تحمل كلماتها المحبة والمناجاة والتقرب من رب العالمين.

لقاء

وفي أثناء مسيره وحيداً هائماً في الفيافي، يجد علاء الدين نفسه واقفاً أمام مغارة في عمق الجبل، تنام أمام بابها  في دعة وسكينة  غزالة صغيرة، وفي أثناء تأمله لذلك المشهد، يخرج من داخل المغارة رجل كبير السن، لحيته بيضاء بلون الثلج، ابتسم في وجه علاء ليطمئن روعه، وخاطبه قائلاً: «يا علاء الدين إن الباحث عن الحقيقة لا يخاف». 

وبعد نقاش جميل وبديع عرف علاء أن الرجل هو الصوفي شهاب الدين السهروردي، الذي ضيّفه وأكرمه ثم نصحه بالتوجه في سيره هذا إلى جبل المقطم، حيث توجد شخصية صوفية أخرى، وهو عمر بن الفارض، وبالفعل تابع علاء مسيرته وحيداً من أجل الوصول إلى غايته، حيث يلتقي بالفعل بابن الفارض، ويتلقى النصائح والتوجيهات والمعارف من أجل أن يتزود بها في رحلته.

أصحاب الطريق

في رحلته يقابل علاء الدين شخصيات عرفت بالورع والتقوى والتجارب الروحية والتصوف، فإلى جانب السهروردي وابن الفارض، يلتقي كذلك بابن عربي، والعز بن عبد السلام، ويقيم في منزل برهان الدين الجعبري الثائر المتصوف، وهي اللقاءات التي يسعد بها علاء الدين، وتكون خير معين له في تكوينه الروحي، وسفره القاصد إلى الله تعالى، فقد نهل من علومهم وأخذ من معارفهم، وتشرف بصحبتهم، وفرحت نفسه بهم وبمودتهم له.

يصل علاء الدين إلى وجهته، ويقيم في مدينة القاهرة، ينشد المواويل في المقاهي من أجل أن يحث الناس على التقوى ومحبة الله تعالى ومقاومة الظلم، لكنه لم يفارق العنت والتعب والشقاء، حيث نصبت حوله كثير من فخاخ المكائد والدسائس، خاصة من قبل وزير الحسبة في ذلك الوقت، ولكن علاء كان يخرج دائماً من تلك المشاكل والصراعات بقوة إيمانه ومحبته وتقرّبه من رب العالمين، فلم يعرق قلبه الخوف، وظل يحارب من أجل أن ينال رضى ربه.

قصيدة حب

رواية قصيرة هي أشبه بالقصيدة الطويلة المحتشدة بالمحبة والفيوضات والألق الروحي، كتبت بلغة جميلة وبديعة، فقد تعمد الكاتب أن تأتي لغته بسيطة حتى يفهمها القارئ ويلتقط معانيها القريبة والبعيدة في المحبة الروحية، وينهض العمل في تكوينه الفني وبنائه السردي على الجمع والمزاوجة بين الخيال والواقع، لينسج تفاصيل «فانتازيا» مختلفة. فعلى الرغم من أن أحداث الرواية تستدعي تاريخاً بعيداً من القرن السابع الهجري، فإنها معاصرة تخاطب الواقع الراهن وقضاياه، فهي دعوة للجمال والتسامح والمحبة، ومواجهة الظلم والوقوف ضده، ويكتمل ذلك الألق باستدعاء الكاتب لشخصيات روحية كان لها أثرها الكبير وحضورها الجميل، واللافت في العمل كذلك هو تلك الحوارات البديعة والرشيقة بين بطل القصة وصديقه، وكذلك بين علاء والشخصيات الصوفية التي صادفها في رحلته.

وعنوان العمل «لا تسقني وحدي»، هو مستمد من قصيدة صوفية قديمة، وهو بمثابة دعوة للإيثار؛ أي أن يحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه من الخيرات والنعم والمعارف، فهي أشبه ببيت لأبي العلاء المعري يقول فيه:

فلا هطلتْ عليّ ولا بأرضي

                        سحائبُ ليس تنتظمُ البلادا.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"