عادي

قلق أوروبي من أزمة أمنية خطيرة في الساحل الإفريقي

00:17 صباحا
قراءة 4 دقائق
قوات فرنسية في مالي ضمن عملياتها لمحارية التنظيمات المتشددة (أرشيفية)

تستقطب مستجدات الوضع في منطقة الساحل الإفريقي الاهتمام الإقليمي والدولي، في ظل ما تشهده من تحديات أمنية وعدم استقرار سياسي وتدخّلات خارجية، تأخذ أشكالاً وأهدافاً متباينة في أغلب الأحيان، لكن بعض الأطراف الفاعلة في المنطقة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها فرنسا، بدأت تشعر بقلق متزايد، خصوصاً بعد مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي الشهر الماضي، واضطراب الاستقرار في هذه البلد، مع ما يطرحه ذلك من اتساع لتهديدات الجريمة والإرهاب والإفلات من العقاب، إضافة إلى انتشار شبكات تهريب المهاجرين إلى أوروبا عبر السواحل الليبية والتونسية.

بفعل تطورات السنوات الماضية، أصبحت منطقة الساحل الإفريقي، وأساساً مالي والنيجر ونيجيريا وبوركينا فاسو وتشاد، متخمة بالأزمات، وتتكدس فيها المشاكل، ويعود ذلك لأسباب تاريخية وسياسية وموضوعية، فدول هذه المنطقة لم تتمكن منذ استقلالها، على غرار الكثير من البلدان الإفريقية وما وراء الصحراء من بناء الدولة الوطنية ذات المؤسسات السياسية المستقرة. ولذلك ظلت معرضة لحالات مزمنة من الأزمات السياسية والأمنية.

خطر التطرف يتصاعد

ولا تزال تنظيمات «القاعدة» و«داعش» و«بوكو حرام» وشبيهاتها من الجماعات الإرهابية، تمارس نشاطاً إجرامياً متزايداً، وأمعنت بزرع الرعب في المجتمعات المحلية. ورغم الدعم الدولي، والفرنسي على وجه الخصوص، مازال هدف استعادة الاستقرار بعيداً، كما أن طريق القضاء على الأسس والجذور والأدوات التي يقوم عليها الإرهاب لا يزال طويلاً. وشهدت الأشهر الماضية عمليات قتل وخطف بشعة طالت مدنيين وجنوداً وأجانب، وآخرهم صحفي فرنسي تم اختطافه قبل يومين في مالي.

وإزاء هذا الوضع، قال الممثل الأعلى للمفوضية الأوروبية، جوزيب بوريل، الخميس، خلال اجتماع وكالة الدفاع الأوروبية، إن وزراء الدفاع راجعوا تقارير الأوضاع السنوية في منطقة الساحل. وأضاف بوريل، خلال مؤتمر صحفي، «استغرقنا 30 سنة لكي نضع نظاماً عسكرياً، الآن بات بإمكاننا أن نتخذ القرارات، وأن نتصرف بناء عليها، الساحل كان جزءاً مهماً من الحوار، بناء على رحلتي الأخيرة لهذه الدول، مالي وتشاد، خاصة».

وقال بوريل إن منطقة الساحل الإفريقي تواجه إحدى أكبر الأزمات الأمنية في العالم، ويجب أن نزيد من وجودنا في هذه المنطقة، نظراً لأهميتها وحيويتها للأمن الأوروبي.

باريس: الوضع هش

وقبل تصريح بوريل، كان قائد القوة الفرنسية في الساحل «برخان» الجنرال مارك كونرويت قد أكد، أثناء لقائه الرئيس النيجيري محمد بازوم، أن الوضع في منطقة الساحل لا يزال هشاً، على الرغم من بوادر التقدم المحققة من خلال العمليات العسكرية «برخان» وغيرها من العمليات العسكرية التي تقودها مختلف القوات العاملة في المنطقة.

وبالتزامن مع هذا اللقاء، أعلنت الحكومة النيجيرية، مساء الأربعاء، مقتل 15 عسكرياً وإصابة 4 آخرين في هجوم إرهابي بمنطقة تيلابيري، غربي البلاد. وقالت وزارة الدفاع النيجرية، في بيان: إن «عناصر مدججين بالسلاح» استهدفوا بعد ظهر الثلاثاء الماضي، موقعاً لعملية «الزوبعة» لمكافحة الإرهابيين في منطقة إنتوسان القريبة من الحدود مع مالي. وجاء الحادث الإرهابي بعد أربعة أيام على كمين أودى بحياة 16 عسكرياً. وفي الوقت الحالي تخضع مناطق واسعة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو لسيطرة هذه التنظيمات الإرهابية.

والأحد الماضي، حذر تقرير فرنسي من أن تنظيم «القاعدة»، الذي يعتبر باريس «عدوه الأول»، يخطط لتكرار تجربة حركة طالبان الإرهابية، في منطقة الساحل الإفريقي.

وأشار التقرير، الذي نشرته صحيفة «لوموند» الأحد الماضي، إلى أن «الفرع الأكثر نشاطاً لشبكة القاعدة العالمية، هو مجموعة متطرفة تم تشكيلها في مارس 2017 تحت سلطة إياد أغ غالي، زعيم الطوارق في جماعة «أنصار الدين» الإرهابية، والناشط في شمال مالي بالإضافة إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

وأكد التقرير أن السلطات الفرنسية «تشعر بالقلق إزاء محاولات توسيع عمليات هؤلاء المتطرفين باتجاه خليج غينيا مع تسلل مسلحين في كوت ديفوار وبنين، أما بالنسبة لإياد أغ غالي فيبدو أنه نجا من محاولات جزائرية لقتله».

ووفق التقرير الفرنسي يحلم إياد أغ غالي، بنجاح مماثل لنجاح حركة «طالبان» في أفغانستان، حيث بدأت الولايات المتحدة انسحابها للتو بعد عقدين من التدخل، ويريد أن يرى الشيء نفسه تفعله فرنسا وتنسحب من دول الساحل الإفريقي.

اختطاف أجانب

وفي تأكيد على تدهور الوضع الأمني، رفع خطف صحفي فرنسي على يد جماعة مرتبطة بالقاعدة عدد الغربيين المحتجزين في منطقة الساحل الإفريقي المضطربة إلى ست رهائن.

وظهر الصحفي أوليفييه ديبوا، في مقطع فيديو مصور وهو يناشد السلطات الفرنسية تحريره من مختطفيه. كما أكد الصحفي الفرنسي وهو مراسل مجلة «لوبوان» أنه تم اختطافه من قبل الجماعة الإرهابية في 8 إبريل/نيسان الماضي.

واتخذت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي من اختطاف الرهائن الغربيين ومطالبة دولهم بدفع فدية، مورداً مالياً رئيسياً لشراء الأسلحة وتجنيد مزيد من العناصر، والمساومة على إطلاق سراح سجنائها.

وقدرت وزارة المالية الأمريكية في العام 2014، أن أوروبا دفعت 165 مليون دولار للجماعات الإرهابية ما بين 2008 و2013 فقط. وبدأت عمليات اختطاف الرهائن الغربيين منذ 2003، لكن طريقة التعامل مع الخاطفين اختلفت.

وخلال العقدين الأخيرين، وقعت عمليات اختطاف عديدة في منطقة الساحل، تبنى أغلبها تنظيما «القاعدة» و«داعش» الإرهابيان والجماعات المقربة منهما، انتهت بتحرير معظم الرهائن.

تهريب المهاجرين

ونتيجة غياب الاستقرار والأمن، وتواصل الحروب الأهلية هناك، وانتشار السلاح، أصبحت ظاهرة الاتجار بالبشر أمراً مقلقاً، وتستفيد منه شبكات تهريب وثيقة الصلة بالجماعات الإرهابية. ورغم أحداث الغرق المأساوية المتكررة في عرض البحر، يواصل المهاجرون الأفارقة محاولاتهم عبور البحر المتوسط نحو السواحل الأوروبية. ووفق الأمم المتحدة فإن الساحلين التونسي والليبي باتا يشكلان نقطة انطلاق رئيسية لهؤلاء المهاجرين الذين تزايدت أعدادهم في الأشهر الأخيرة. والأسبوع الماضي، أعلنت البحرية الليبية إنقاذ أكثر من 600 مهاجر خلال يومين قبالة الساحل الغربي للبلاد. وحسب إحصاءات المنظمة الأممية، قضى أكثر من 1200 مهاجر بالمتوسط في 2020، بينما يتوقع أن تشهد هذه الظاهرة فصولاً مأساوية مروعة إذا ما استمر تدهور الوضع الأمني في الساحل الإفريقي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"