حتى لا يقذف بك بعيداً عن الحقيقة

01:17 صباحا
قراءة دقيقتين

كلمات قرأتها ولامست قلبي، تنسب للفنان الممثل الأمريكي أنطوان دانجيلو جاء فيها: «حاول ألا تغرق في المعلومات وأنت تبحث عن المعرفة»، والحقيقة أنها تعبر عن واقعنا المعاصر بشكل عميق، فنحن نبحر وسط لجة هائلة من المعلومات التي نتلقاها يومياً وكأنها سيل لا يتوقف، الكثير من الأرقام والأنباء والأحداث والقصص والمواضيع نتداولها في يوم واحد.
أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي ثورة حقيقية في عالم الإنترنت، وباتت هذه الحسابات لا تقدم المعلومة مكتوبة وحسب، بل أنها تقدمها بالصورة والصوت، وهناك الصورة الحركية التي تجذب وتؤثر بكل ما تعني الكلمة. الكثير من هذه المواد يصلنا باستمرار، ومع أننا نختار ونحدد ونحذف، إلا أن الزخم المعلوماتي الذي يصلنا هائل وكبير ولا يتوقف. وسط هذه الموجة تصبح حاجتك المحددة لبعض المعلومات واهنة ومتواضعة، وحتى عندما تبحث لسد هذه الحاجة تصطدم بالكثير من المعلومات التي يصح وصفها بأنها غثاء لا فائدة منه، ويبقى كثير من المعلومات ذات الفائدة الحقيقية قصياً وبعيداً عن التداول والانتشار.
أسوق مثالاً: عندما يظهر أحدهم ويتحدث عن الأمراض والعلاجات ويقوم بتقديم وصفات علاجية من دون أي سند علمي أو طبي، وينتشر مقطعه بشكل واسع، بينما كلمات علماء ومتخصصين تبقى محدودة، وعندما تحتاج إلى معلومات عن هذا المرض، وتبحث عنه لن يظهر لك إلا ذلك الغثاء، وتلك الأصوات التي همها الأول الشهرة والانتشار، حتى وإن كان ذلك على حساب المصداقية وعدم الدقة وعدم التخصص العلمي. المشكلة الأخرى في هذا السياق أنه ينتج أناساً يدعون المعرفة، وكأنهم يستندون إلى حقائق ومعلومات ثابته، يتحدثون كصدى لما سمعوه وشاهدوه، وهنا تنتشر المعلومات المضللة أو تلك غير الدقيقة، والضحية هي المعرفة، الضحية هي المعلومات العلمية الحقيقية. 
كمثال آخر يمكن ملاحظة مثل هذه الحالة أمام سيل الفيديوهات والمواضيع التي تصلك على «واتس آب»، معلومات مؤثرة سواء في الصحة أو الجغرافيا أو التاريخ أو نحوها، تصلك من دون أي مصدر أو مرجع، لكن لأنها مخرجة بشكل ممتاز، ومكتوبة بدقة مع موسيقى، يتم تداولها، لكننا لا نسأل عن مدى صحتها أو دقتها أو حتى زيفها، تصبح مثل هذه المواد مصدراً للمعلومات فنغرق فيها، وكأنها قذفت بك بعيداً عن المعرفة الحقيقية التي تريدها وتحتاجها. فعلا عندما تبحث عن المعرفة حاول ألا تغرق في المعلومات، خاصة تلك المعلومات المضللة الكاذبة غير الصحيحة.
[email protected]
 www.shaimaalmarzooqi.com

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"