عادي

«أبناء السماء»... سفر إلى الهداية بلا انقطاع

أثر القلب
01:15 صباحا
قراءة 4 دقائق
2701

قد يصاب السالك وهو في رحلته نحو المعارف والحقائق بالحيرة والاضطراب، وقد تتسلل إليه مشاعر سالبة، وذلك من أهوال الطريق، لكن المؤمن الحق يتمسك بالسير نحو الله تعالى، وهو يتغلب على تلك المشاعر والمصاعب بزاد المحبة، فهي خير معين وسند، وهي التي تجعل الإيمان راسخاً في القلب، وتمد المرء بالقوة واليقين، فالحيرة نفسها، عند أهل التجارب الروحية، كما يقول الواسطي: «نازلة تنزل بقلوب العارفين بين اليأس، والطمع في الوصول إلى مطلوبه ومقصوده»، وهي بذلك استعداد نفسي للسير في طريق المحبة حتى تتحقق الغايات.

قريب من معاني الحيرة والهداية، يأخذنا الكاتب الأردني يحيي القيسي، عبر روايته «أبناء السماء»، إلى عوالم من الوجد الصوفي؛ حيث إن العمل هو بمثابة تأمل روحي وفكري في الكون والوجود وعظائم خلق الله تعالى، فالتدبر والتأمل يقودان الإنسان إلى دروب الهداية إلى رب العالمين، والعمل يتناول كذلك تلك الشخصيات التي ظلت حائرة تتقاذفها أمواج الحيرة، إلى أن أبصرت الحقائق والإشراقات وتوصلت إلى المعارف، فاهتدت إلى نور الإيمان، وتبدد عندها الشك باليقين والطمأنينة، وسارت على الدرب القويم.

رحلة

وبطل القصة، الذي يقوم بدور الراوي، هو شاب أردني تخرج من إحدى جامعات الاتحاد السوفییتي هندسة طيران، وتأثر بالأفكار المادية إلى حد كبير، لكنه لا يبدو مطمئناً لذلك التصور الذي يحمله حول الوجود، فينتابه القلق ويبدأ رحلة البحث عن الحقيقة؛ حيث تعترضه الكثير من المصاعب والعقبات، لكنه يسعى في عزم شديد وأكيد نحو إطفاء نيران القلق المشتعلة في ذاته، بعد أن تعرض لمجموعة من التجارب الغامضة التي لم يجد لها تفسيراً، فالرواية تصور تلك المشاعر المتباينة والغريبة التي تنتاب الراوي جراء ما واجهه من عنت شديد في الطريق الذي ينشد فيه الحقائق والأنوار، فهو يعيش في حالة من التوهان النفسي والروحي، والتشظي والفوضى الداخلية، وتنهال عليه الأسئلة الوجودية، ويدخل في حيرة يحاول الخلاص منها عبر إيجاد إجابات منطقية تقوده إلى بر الأمان، وتخرجه من ذلك التيه الذي يعيشه.

لقاء

ويستمر الراوي على ذلك المنوال من أمره إلى أن يحدث أمراً يقلب حياته رأساً على عقب، وهي لحظة التقائه بشاب يدعى «الحسيني»، وهو طبيب مصري يعيش في الأردن، وتخرج هو الآخر من جامعة سوفييتية، لكنه يحمل تصورات غير التي عند الراوي، فهو شاب مختلف في رؤاه وأفكاره، وتتوطد العلاقة بين الصديقين الجديدين؛ حيث يروي بطل القصة للحسيني تجاربه مع الكثير من الأشياء التي لا يجد لها تفسيراً، فيجيبه الحسيني بأن هنالك الكثير من الأشياء والظواهر في هذا العالم لا تزال غامضة ومجهولة، وأن ما يحمله الإنسان من معارف لا يجيب عن كل الأسئلة التي تواجهه، فهو لا يملك الحقيقة المطلقة، وكل شخص يرى الأشياء من خلال زاويته ورؤيته التي تصنعها التجارب المختلفة، كما أن هناك قوة في هذا الكون تمتلك الإجابات الكاملة.

نقاشات

وتستمر نقاشات الراوي مع الحسيني، وهي المجادلات التي كانت تنتهي في كثير من الأوقات إلى طريق مسدود، وذلك بسبب التباين بين الشخصيتين، فكل واحد منهما يحمل مفاهيم ورؤى مختلفة عن الآخر، لكنهما يستمران في النقاش من أجل الوصول إلى نقطة لقاء وأرضية مشتركة، ذلك لأن ما يجمع بين الشابين هو إرادة البحث والوصول إلى الحقيقة، وشيئاً فشيئاً تتزلزل الأفكار المادية عند بطل القصة، ويتعزز ذلك الأمر من خلال حوارات يخوضها مع شخصيات أخرى مثل العالم «سيرجي»، الروسي، الذي ترك هو الآخر الأفكار المادية وخاض تجربة روحية مميزة كان لها أثر كبير في تغيير مجرى حياته، وهي التجربة التي ألهمت الراوي، الذي تبدلت حياته تماماً بعد أن عاد إلى حضن الإيمان، خاصة بعد سفره إلى مدينة حلب ليلتقي هنالك بصوفي، فعرف منه أن التصوف يعنى بصفاء النفس، وتنقية القلوب، ويلتقي في حلب كذلك بـ«آمنة»، التي درست التصوف في إحدى جامعات إنجلترا؛ حيث قادها البحث الروحي إلى هذا التخصص، وتنشأ بينهما علاقة ليسيرا معاً في رحلة روحانية عامرة بالإيمان ومحبة الله تعالى.

الرواية كتبت بأسلوب سلس، ولغة راقية، وجاءت محتشدة بالأسئلة والتأملات والأفكار حول الكون من خلال شخصيات تخوض مغامرة فهم الوجود، فهذه الشخصيات لها تجاربها الروحية التي توصلت إليها بطرق مختلفة ومتباينة، لذلك تميزت الرواية بالثراء نسبة لتعدد الأحداث والشخوص الذين كانوا من جنسيات مختلفة، وذلك ما يشير إلى أن العمل يحض على التواصل والتعارف بين الثقافات، وإرساء قيم السلام والتسامح، وقد برع الكاتب في صناعة أسلوب حكائي متميز، وتوظيف بديع للتقنيات السردية.

والرواية جاءت غنية كذلك بالمواضيع؛ حيث كان هنالك حضور للطقوس الروحانية المختلفة، إلى جانب الحكايات الشعبية، والنقاش المعرفي الذي يتناول النظريات العلمية في سياق سرد مشوق يعتمد على صناعة المشاهد والصور بطريقة مشهدية سينمائية، واللافت كذلك في الرواية هو العنوان، الذي يشير إلى تعلق قلوب أبطال العمل بالسماء؛ أي بالسير في طريق الله تعالى.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"