عادي

البطاطا.. ثمرة سرية تغزو العالم

الطعام مأكولاً ومقروءاً
22:59 مساء
قراءة 4 دقائق
1

محمد إسماعيل زاهر

يحتفل أعضاء الجمعية السلوفينية للبطاطا كل شهر بيوم يخصصونه لتناول «برازين كرومبير»، الطبق القومي السلوفيني، ويتكون من البطاطا المقلية والبصل، ويشترط للمشاركة في الاحتفال كما يقول رئيس الجمعية ستانسلاف منارد عدم التحدث في السياسة لأننا «حينما نقف أمام البطاطا، نكون جميعا متساوين»، ولكن لماذا اكتسب هذا المحصول مثل هذه الأهمية؟ لقد أنقذت البطاطا الكثير من الشعوب من خطر المجاعات المتكررة: إيرلندا، فرنسا، سلوفينيا..إلخ، ليس في أوقات الطقس السيئ وحسب، الذي ينتج عنه دمار المزروعات، ولكن خلال الحروب أيضاً.

تدور معظم أحداث رواية «الأموات» لجيمس جويس خلال حفل للاحتفال برأس السنة الميلادية في منزل أرستقراطي، المكان بالغ النظافة، والشخصيات شديدة التهذيب، ولكن الأحاديث تخلو من أي إضافة يمنحها السارد للمتلقي، مجرد لغو فارغ، وكلام لا معنى له، أما خارج المنزل وخلال عودة البطل جابرييل إلى بيته، فلا يوجود إلا شوارع قذرة ومقفرة، يتجول فيها بشر يعانون البرد والجوع. كان جويس متأثراً بمجاعة البطاطا العظيمة التي وقعت في إيرلندا بين عامي 1845 و1849، ما أدى إلى وفاة مليون إنسان، ومحاولة عدة ملايين آخرين الهجرة من البلد.

لقد كانت جميع شخصيات جويس الثرية المرفهة في الحفل تنتمي إلى «الأموات»، ولم يكن ما رسمه صاحب «عوليس» للتعبير عن تلك الأوضاع المأساوية مجرد خيال لأديب ساخط، فالمؤرخ إريك دورتشميد يقول في كتابه «عامل المناخ» عن المجاعة الإيرلندية: (في ذروة المجاعة أقامت ليدي مايوريس من دبلن حفلة راقصة رائعة في قصر «مانشن هاوس»، واستمر الرقص حتى ساعة متأخرة من الليل، وتم تقديم أصناف المأكولات والمشروبات من أجود الأنواع بإسراف ووفرة لا تنضب).

1

الحل السحري

كانت إيرلندا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بلداً فقيراً يعاني المجاعات الدورية، والأهم أنها كانت تصدّر معظم محاصيلها إلى لندن، ووقع الفلاحون آنذاك تحت هيمنة الضرائب الباهظة المفروضة على مزروعاتهم، وكانت البطاطا الحل السحري لكل هذه المشاكل، فمن ناحية تتمتع بكل العناصر الغذائية، إذ تحتوي على جميع الفيتامينات التي يحتاج إليها الجسم باستثناء فيتاميني «أ» و«د»، وإذا تناول الفلاح وجبة مكونة من البطاطا مع كوب من الحليب فإنه يكون قد حصل على كل العناصر اللازمة لصحة جيدة، فضلاً عن طاقة كبيرة توفرها له هذه الدرنة، ومن ناحية أخرى، كان مناخ إيرلندا يناسب زراعة البطاطا أكثر من أي بلد أوروبي آخر، عندما دخلت إليها في أوائل القرن السابع عشر. الأهم من كل ذلك أن الفلاحين استفادوا من تلك الدرنة «الخفية» التي تنبت تحت سطح الأرض، بعيداً عن أعين اللصوص وجباة الضرائب، وهي السمة التي انتشرت في أوروبا لاحقاً، فعند اشتعال حروب نابليون في بدايات القرن التاسع عشر، كان هذا المحصول السري بمثابة الاحتياطي الغذائي لأوروبا.

البطاطا في صلب الثقافة الإيرلندية.. ومن الصعب أن يتخيل البعض أن متوسط استهلاك الإيرلندي من البطاطا يصل إلى 5.5 كيلوجرام، في اليوم، وقد احتلت البطاطا في إيرلندا مكان الخبز، وعندما ضرب الطقس السيئ البلد عام 1845 وانهار المحصول، بدأت وقائع المجاعة التي تزايدت وتيرتها في العام اللاحق، فأكل الناس فطائر مصنوعة من نشارة الخشب، وصنعوا الحساء من لحاء الأشجار، وتناولوا القطط والجرذان والسناجب، وأصبح كل شيء قابلاً للأكل، وسقطوا موتى في الشوارع من الجوع، وتزامن ذلك في العام التالي مع انتشار الكوليرا، وعزم الملايين على الرحيل، في أكبر هجرة جماعية عرفتها إيرلندا، وتركوا البلد في سفن لا آدمية يسميها دورتشميد «سفن التوابيت». 

 توصف البطاطا في تقرير لشبكة البي بي سي، بتاريخ 6 مارس/ آذار 2020 بأنها المهاجر الأكثر نجاحاً في العالم، فقد خرجت من جبال الأنديز في القرن السادس عشر مع الإسبان، وعبرت إلى أوروبا، وفي البداية قابلها الجميع بالرفض، ووصفت بأنها طعام المتوحشين، وعندما أعطيت للعبيد، قالوا إنها أكل الرقيق، ثم أطعمت للحيوانات، فأصبحت علفاً للماشية، والكلاب، وحين وصلت إلى روسيا أطلق عليها القيصر بطرس العظيم «تفاحة الشيطان»، وانتشرت خرافات تؤكد أنها تصيب الإنسان بالدرن والكساح والجذام، وفي أجزاء من أوروبا رفض المتدينون تناولها، حيث لم يرد لها ذكر في الكتاب المقدس، وفي ألمانيا اعتبروها طعام الوحوش، أو على الأقل وجبة مفضلة للخنازير، وفي بريطانيا قالت عنها الصحافة في بداية القرن التاسع عشر «جذور القذارة والنفاية»، وربطت بينها وبين البؤس والعبودية، وظلت في دائرة الرفض والاتهام في أوروبا الغربية حتى كتب الفرنسي أنطونيو أوجستين بارمينتير تقريراً من 15 ألف صفحة في فوائد البطاطا قدمه إلى الملك لويس الخامس عشر، أبرز فيه دورها في حماية فرنسا من المجاعات المتكررة، واقتنع الفرنسيون بها، حتى إن الملك لويس السادس عشر وضع زهرة بطاطا في عروة سترته.

اكتساح 

غزت البطاطا العالم لاحقاً، ودخلت في الكثير من الأطعمة، وصنع من نظيرتها البطاطا الحلوة، أو البطاطا الإسبانية، أصناف حلوى متعددة، والأهم تواجدها بكثافة في معظم وجبات الأطعمة السريعة، حتى ارتبطت بالأكل الأمريكي، وتسببت بخلاف ثقافي بين فرنسا والولايات المتحدة حول من ابتكر أصابع البطاطا المقلية، وهناك نزاع تاريخي بين بيرو وتشيلي يتعلق بالموطن الأصلي لها، وتأسست جمعيات ومراكز لدراستها وتنمية محصولها في الكثير من البلدان، وبحث العلماء كيفية الاستفادة منها في إنتاج الوقود، ولا تزال تحتفظ بجانب من خرافاتها، فبعض المتعصبين لها يقولون إن الأرباح التي حققتها للتجار تتجاوز في قيمتها كل الذهب الذي نهبه المستكشفون الأوربيون من الأمريكتين، وخصص العالم عام 2008 للاحتفال بالسنة الدولية للبطاطا. 

 وظلت البطاطا تنمو تحت الأرض، وكانت احتفالات سكان الأنديز الأصليين بحصادها بمثابة العرس المبهج، وبعد مرور آلاف السنين ينتاب الكثير من أطفالنا شعور بالفرح وهم يقبلون بشغف على أكل منتجات تلك الثمرة السرية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"