عادي

«عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»

بدائع الكون في القرآن
00:30 صباحا
قراءة 5 دقائق
1

أ.د.حميد مجول النعيمي

في العلوم الكونية اعتاد الناس أن يسألوا ثم يحاولوا البحث عن الإجابة في القرآن الكريم، وهذا صحيح من حيث العقيدة والمنهج معاً، ولكن عندما يسأل القرآن الكريم سؤالاً محمولاً على محمل التأكيد أو التقريع أو الحث والتحريض فإن الإجابة هي الصمت أولاً.

حميد مجول

من بعد الصمت تأتي محاولة الإجابة بالنص القرآني نفسه، اقتباساً واستدلالاً، وهذا أيضاً صحيح من حيث المبدأ والمنهج سوياً. أما إذا توجه أحدهم نحو الإجابة المباشرة، بعد المرحلتين السابقتين فما أمامه إلا ما قاله الآخرون من مفسرين ومجتهدين وفقهاء، حتى إذا استنفد كل هذه الوسائل الرشيدة حاول بنفسه استخلاص ما يريد إن تعذّر عليه ما يريد وفق ما سبق! هنا، لابد من العلم الموسوعي والعلم الخاص في معالجة مثل هذه المواقف الصعبة. وبقدر تعلق الأمر بعلوم الفيزياء الفلكية فإن سؤالاً من مضمون الآيات الكريمة الآتية «أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء»؟ «بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا» النازعات 27-29، تسهل الإجابة عنه بالقرآن نفسه وبالآية الكريمة: «لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» في سورة غافر 57. ولو تركنا آية غافر هذه لأصبح الجواب متعذّراً على نحو حاسم ومباشر على الرغم من العطف الواسع في (بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا.. وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)، ولقد يقال إن قراءة السؤال على نظام آخر يوفر الجواب من متنه في مضمون «بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا.. وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا»، وهذا مقبول إلى حد ما، بيد أن قراءة السؤال بتقدير المحذوف في الآية بلاغة: «أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء» يؤكد أرجحية السؤال التقريعي ثم يعيد فضل بناء هذه السماء واستخلاص آيات (سَمْكَهَا = تفسير لكيفية البناء)، أي جعل سمتها في جهة العلو رفيعاً وقيل سمكها سقفها، (فَسَوَّاهَا = جعلها مستوية بلا عيب)، (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا = أظلمه) (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا = أبرز نور شمسها وأضيف إليها الليل لأنه ظلها والشمس لأنها سراجها).
 وفي هذا الجزء من التفسير مداخلة بين مفهوم السماء الدنيا والسماوات السبع، أي جعل السماء الواحدة، الدنيا حصراً، أشدَّ خلقاً من الإنسان أم مجموع السماوات حتماً؟ فإذا كانت السماء الواحدة، الدنيا أو غيرها، أشد خلقاً، فإن السماوات السبع تصبح محصلة مضاعفة، وإذا كانت السماوات السبع موضع النص قصداً على سبيل الجمع في صيغة سماء فإن السماء الواحدة قد تكون أقل أو في مستوى خلق الناس، وإن حاصل جمع خلق السماوات، عندئذ، يجاوز حالة خلق الناس، والناس مجتمعين يعاملون كنفس واحدة تصديقاً لقوله تعالى: «مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» في سورة لقمان 29. وإذا عاملنا خلق السماوات كخلق السماء الواحدة كما في (النفس = النفوس)، فإن النص يستوي فيه الجمع والإفراد قياساً وإعجازاً.
 (1) «ألَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا» سورة الفرقان الآيتان 45 و 46
 قصدنا في الآية (1): أن نستذكر آيات لم تشر إليها الآية مما يحدث في السماء وتراه عين الراصد في الأرض في أوقات محددة من اليوم، ليلاً أو نهاراً، ومن ذلك مسألة (الظل القرآني ) المحيّر أو اللغز، أو هو في آخر الأمر (آية) إعجازية ذكرته الآية الكريمة.
تعامل عدد من المفسرين الأجلاء مع النص القرآني العظيم بالإيمان المطلق بالمعجزة من دون التدخل في محاولة التعرف إلى كيفية حدوثها أو آليتها المنتظمة يوماً بيوم، ويوماً فيوماً، إلا أن الرؤية العلمية الفلكية أو الفيزيائية موجودة حتماً في صيرورة هذه الظاهرة المعجزة الدائمة، وهذه الرؤية العلمية تمثل جزءاً من مضمون قوله تعالى في سورة العلق:
 (2): «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» باستعمال صيغة الفعل الماضي (علَّم) دالاً على المستقبل من جهة وجاعلاً مدلول ما لا يعلم مفتوح النهاية، أي دائماً هناك ما لا نعلم، وكلما علمنا شيئاً كشفنا عن أشياء ما زلنا نجهلها أو لم نكن نعلمها أو لم نكن نعلم بوجودها أصلاً!
 من هنا فإن تحليل ظاهرة الظل هذه أو تعليلها إنما هو جزء مما نشعر أننا تعلمناه، بل هو جزء في كل مما قاله تعالى: «عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»، فنحن نرى في هذا الصدد أن رؤية الظل الذي تشير إليه الآية الكريمة تمثل رؤية متعددة أو مركبة تبعاً لموقع الراصد على سطح الكرة الأرضية، إلا أن انحسار هذا الظل مع بدء ظهور الشمس يجعل الناظر في موقع الرائي له بألوان متغيرة. والإعجاز هنا إعجاز ظهور الظل من غير ضوء، وإعجاز تغير شكله ولونه مع مرور الدقائق ليشمل سطح القبة السماوية بالنسبة للراصد أينما كان قبل الفجر وحتى انبلاجه إذا كانت (السماء صاحية / صافية) من كل غيوم ثم يختفي.
يتبع هذا الظل القرآني في المفهوم الفلكي والفيزيائي أكثر من ظاهرة أخرى منها الشفق، والشفق القطبي الشمالي والجنوبي من ناحية العلاقة بين الأرض بإزاء الظل، وما دام الشفق عند الشروق هو معكوس الشفق بعد الغروب مما يعلمه الناس ويرونه رأي العين، فإن الشفق القطبي يعد ظاهرة ثانية مضيئة ومتغيرة الشكل تحدث قرب قطبي الأرض في أعالي الجو بين 60 – 400 كم تقريباً وبمعدل 110 كم عند خطوط العرض العالية بحدود 70˚، أي أنها آية فرعية تتبع الآية الأساسية: الظل وترتبط بها. أما حدوثها فيعزى إلى اصطدام الإلكترونات والدقائق المشحونة كهربائياً والمنبعثة من الشمس بعناصر الأكسجين والهيدروجين الموجودة في أعالي الجو، أي تأيّن الهواء المخلخل عند الاصطدام. وتحدث هذه الظاهرة في قطبي الأرض؛ لأن الإلكترونات والدقائق المشحونة المنبعثة من الشمس (الرياح الشمسية) تتجه بحكم المجال المغناطيسي الأرضي إلى مركز قطبي الأرض المغناطيسيين: الشمالي والجنوبي، فتدعى بالشفق القطبي الشمالي والشفق القطبي الجنوبي.
إذن، هناك إعجاز، وهناك تعليل عام وتحليل خاص للظواهر المتعلقة به، بل يمكن التوارد مع التحليل بكثير من الأسئلة بلماذا، وكيف، فنجد الجواب عن كيف متاحاً في الفيزياء الفلكية ونراه عن لماذا مجهولاً بقدر لا يستهان به أو تماماً! وذلك يُدخلُ الأصول والفروع في دائرة الإعجاز الواحد والمفاهيم المتعددة، من خلق الله العزيز الحكيم.
وعلى نحو معاكس، نجد ذكر أسماء فلكية مصطلحية في القرآن الكريم لا نستطيع القول عنها إنها مقحمة على نسق اللغة وسياقها العام، بل إنها يجب أن تكون ذات مدلول معين أو مضاف إلى نسق اللغة الجميل وسياقها البلاغي المدهش، مثل قسم الله في الآية الكريمة الآتية: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى» في سورة النجم الآيات 1-4 والتي سنكملها في مقال الغد إن شاء الله.
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"