هيكل والسادات وعاصفة مايو

00:57 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السناوي

بعد خمسين سنة على عاصفة 15 مايو/ أيار 1971، التي أفضت بنتائجها وتداعياتها إلى أخطر انقلاب استراتيجي في السياسات والتوجهات العامة بالعالم العربي، لا في مصر وحدها، فإننا بحاجة حقيقية لإعادة قراءة الحوادث في سياقها وظروفها حتى نفهم ما جرى لنا، وبنا.

 كان رحيل «جمال عبدالناصر» في 28 سبتمبر/ أيلول 1970 صاعقاً، غير أن الحزن الغامر الذي ملأ الشوارع لم يحل دون صراعات السلطة، فالسلطة، أية سلطة، لا تعرف الفراغ.

 لم يكن نائبه «أنور السادات» شخصية مجهولة، فسِجّله معروف، والتحفظات عليه معلنة في أروقة التنظيم السياسي، ودوائر الدولة، ومع ذلك مر بسهولة نسبية إلى مقعد الرجل الأول.

 وتكفلت المجموعة المهيمنة على مقاليد الأمور داخل مؤسسات الدولة بالدعوة إلى انتخابه رئيساً، قبل أن يودعها السجون بعد زهاء سبعة أشهر بتهمة التآمر عليه، فيما سميت ب«ثورة التصحيح»، أو «انقلاب ١٥ مايو» بتوصيف آخر.

 هذه حقيقة أولى في قصة ما جرى. كان «زكريا محيي الدين» خيار «هيكل» الأول لخلافة «عبدالناصر»، لكن اسمه استبعد سريعاً إثر تحركات واتصالات وتوافقات بين جماعات متعارضة على إبعاد أعضاء مجلس قيادة الثورة السابق عن أي دور.

 وفي ظروف وتوازنات معقدة تقاسمت السلطة شخصيتان متناقضتان، «أنور السادات» رئيساً، و«علي صبري» نائباً.وكانت اتفاقية الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا وليبيا، التي أعلنت في بنغازي يوم ١٧ إبريل/ نيسان ١٩٧١، عنوان الصدام بين الرجلين، لا جوهره.

 وتلاحقت مشاهد الأزمة. عُزل «علي صبري» من منصبه نائباً للرئيس في الأول من مايو/ أيار. ودبت خلافات بين المجموعة المهيمنة على الطريقة التي يتوجب عليهم التصرف بمقتضاها. واستقر الرأي بعد وقت قصير على تقديم استقالة جماعية، أعلنت من الإذاعة يوم ١٣ مايو/ أيار. كان ذلك خطأ هائلاً في إدارة الأزمة أفضى إلى اعتقالهم واتهامهم بالتآمر.

 وحسب جميع الشهادات المعلنة للذين اتهموا بالتآمر لإطاحة «السادات»، فإن خطأهم الأكبر هو أنهم لم يتآمروا.. 

 ما هو أكثر مأساوية أنه جرى ضربهم عن طريق معاونيهم، وأوثق رجالهم. انهار كل شيء في لحظة واحدة، وسقط النظام من داخله.

 وكما هو معروف وشائع فإن «هيكل» هو من اقترح اتباع الخطوات الدستورية والاستقرار على شخص النائب كانتقال سلمي وآمن للسلطة في أوضاع حرب.

 وكما هو معروف وشائع، فإنه قال للرئيس شبه اليائس: «إن الشخصين الرئيسيين في الموقف في ما يتعلق بك هما اللواء الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري، والفريق محمد أحمد صادق، رئيس أركان القوات المسلحة»، لافتاً انتباهه إلى أن «الشرعية معك».

 وبصورة، أو أخرى، كان دور «هيكل» محورياً في إدارة الأزمة. لماذا انحاز إلى «السادات» في الصراع على السلطة؟

 لم تكن توجهاته استبانت، وقد عارضها جذرياً وأدخل السجن بسببها في اعتقالات سبتمبر/ أيلول 1981، كما لم تكن تحفظاته على «مجموعة مايو» تسمح له بأي رهان عليها، بل لعله كان يستشعر أنها تود، إذا ما آلت السلطة إليها، أن تودعه خلف القضبان. هذه حقيقة شبه غائبة في كل السجالات التي جرت على مدى نصف قرن.

 وبصورة، أو أخرى، راجع «تجربة مايو» في حلقات مسجلة عن سيرة حياته، وهو يستعرض ما قبل حرب أكتوبر/ تشرين الأول (1973)، فلم يتسن لها أن تبث حتى الآن، ولعلي لعبت دوراً في إذابة الجليد الإنساني بين الطرفين، لكن ما جرى كان قد جرى.

 في نهاية شهر مارس/ آذار 1971، قبل شهر ونصف الشهر من العاصفة، حسب مذكرات الفريق أول «محمد صادق»، جرت واقعة كاشفة للفجوات والتعقيدات بين «هيكل» و«مجموعة مايو»:

 أثناء دخول الفريق أول «محمد فوزي» مبنى الوزارة في كوبري القبة، لاحظ وجود المحرر العسكري ل«الأهرام» «عبده مباشر».. واصل صعود السلم، وانتظر في الشرفة المطلة على المدخل، ومن خلفه القادة الذين كانوا بصحبته، وما إن رأى محرر «الأهرام» يدخل من الباب، وقبل أن يتجه يميناً بالدور الأرضي في الطريق إلى مكتب رئيس الأركان ناداه قائلاً: «يا مباشر.. قل لهيكل»… ثم أطلق عبارة تتوعد بالحساب العسير.

فردّ عليه: «يا سيادة الوزير أنتم ناس كبار مع بعض، وتستطيع أن تبلغه ذلك بنفسك، أما أنا فلا أستطيع نقل مثل هذه الرسائل». قال «فوزي»: «طيب يا مباشر».

 في ذلك اليوم  حسب شهادة «صادق»  فإن القادة المرافقين للوزير فوجئوا بما حدث، وكل من في المبنى أصابتهم المفاجأة.

 ووفق النص الكامل لشهادته تتبدى إشارتان جوهريتان:

الأولى: لم يكن الرئيس «السادات» على علم بما يجري داخل القوات المسلحة، وأنه كان خلال تلك الفترة في حالة هلع وفزع.

والثانية: أنه من بادر بالاتصال ب«هيكل» لإبلاغه بحقيقة موقفه من الأزمة.

وبقوة الحقائق لم يكن «السادات» داهية بقدر ما ساعدته تناقضات النظام على كسب صراعات السلطة في عاصفة مايو.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"