عادي

فأنت البليغ التام

أشهر الخطب
00:04 صباحا
قراءة دقيقتين
رمضان

كان إبراهيم بن جبلة يعلِّم فتيان العرب الخطابة فمرَّ به بشر بن المعتمد فوقف يستمع، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد. فقال بشر: «اضربوا عما قال صفحاً، واطووا عنه كشحاً!» ثم دفع إليهم صحيفة من تنميقه وتحبيره يعتبر ما جاء فيها أساساً لما جرى عليه بعض العرب في تأليف الخُطب.
قال بشر في هذه الصحيفة: «خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن نفسك تلك الساعة أكرم جوهراً وأشرف حسباً وأحسن في الاستماع وأحلى في الصدور وأسلم من فاحش الخطأ. وأجلب لكل عين من لفظ شريف ومعنى بديع، وأعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة، والمجاهدة بالتكليف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، وخفيفاً على اللسان سهلاً، كما خرج من ينبوعه ونَجَمَ من معدنه. وإياك والتوعر فإن التوعر يُسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك. ومن أذاع معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً؛ فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يفسدهما ويهجنهما وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالاً منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن في ثلاثة منازل:
فأول ذلك أن يكون لفظك رشيقاً عذباً أو فخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً. إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يتضح أن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الأمر على الشرف مع الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال. وكذلك اللفظ العامي والخاصي. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة لفظك ولطف مداخلك وقدرك في نفسك على أن تُفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف على الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء فأنت البليغ التام».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"