عادي

مواجهة التطرف.. واجب كل المؤسسات

فقه الدولة
00:03 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.

والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.

يهدف الإسلام للتماسك ونبذ الفرقة وسائر ألوان التطرف، وصولاً إلى وحدة الأمة من خلال المنهج الوسطى الذي لا خلاف على صلاحيته فى الواقع بين سائر الأطياف والتوجهات، حسبما يؤكد د.السيد محمود الديب الأستاذ بجامعة الأزهر. ويلفت إلى قوله تعالى «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، الآية (92) سورة الأنبياء، وأن هذا المنهج الخالي من التطرف والتشدد، وكل أنواع الخروج عن منهج الاعتدال، بلا إفراط ولا تفريط، وقوله تعالى «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ» الآية (143) سورة البقرة.

ولذلك لابد، وفق د.السيد محمود الديب، من تضافر كل الجهود لتفعيل المواجهة وبالآليات المشروعة من خلال المؤسسات الدينية، ومن خلال العلماء في المساجد وسائر معاهد التعليم، وكل التجمعات المهيأة لأن تجعل من رسالتها تصحيح الفكر وإزالة الغموض عن كثير من القضايا الدينية، التي يختلف الناس فيها بين متشدد، ومفرّط متساهل، سعياً إلى نشر منهج الوسطية من خلال المتخصصين، الذين يحسنون التعامل مع ذوى الآراء المتطرفة، سواء كانوا أفراداً أو تيارات.

ويشير إلى أن تجديد الخطاب الدعوي يعد من وسائل مواجهة الجماعات المتطرفة، لأننا نجد أن بعض المتشددين يعيد الحديث في عدد من النقاط الخلافية، والرد على هؤلاء مهما اختلفت مواقعهم ينبغي أن يكون من العلماء المتخصصين المشهود لهم باستقامة الفكر، والتوسط في الأحكام، بجانب تمتعهم بالقدرة على معرفة الدوافع عند من يسيئون إلى الدين ويجنحون إلى التشدد بحجة الدفاع عن الدين. ويؤكد أن مواجهة هؤلاء المتشددين تقع على عاتق أهل العلم الذين تحصنوا بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجتهاد في ما لم يرد فيه نص صريح، وأن تلك هي الضرورة التي يفرضها فقه الواقع وآليات التعامل بخطاب دعوى متجدد وملائم لمقتضى الحال، وتلك هي المسؤولية التي حددها الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، في قوله «يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ».

ووفق د.السيد محمود الديب، لا ينبغي أن يتصدى لهذه المهمة الدعوية إلا من كان مؤهلاً، وهم كثيرون في العديد من التخصصات المختلفة، ولا تكون المواجهة للفكر المتطرف بأسلوب واحد، أو فكر واحد، إنما يتحتم أن تتعدد الرؤى والوسائل، عن طريق الآليات المتجددة في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود، وهو الحماية من التطرف والتشدد، والدعوة إلى الوسطية والاعتدال. ومن الضروري جداً تطوير أساليب المواجهة، واستخدام وسائل العصر الحديثة في التواصل مع الشباب، لأن الجماعات المتطرفة تسعى بشكل مستمر لتجنيد الشباب، الأمر الذي يعني ضرورة مواجهتها بالوسائل التي تستخدمها نفسها.

ويوضح أن العلماء المتخصصين هم هؤلاء النفر الذين يعتبرون كأنهم في قتال نفروا إليه، مع الاستعانة بالفهم المتجدد للقرآن الكريم، وإحياء السنة النبوية الشريفة، وتطوير طرق المخاطبة الدعوية، لأن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته، إذ ينبغي مطابقة الخطاب للتعامل مع تيار متشدد متعدد الفهم ومعبأ بالآراء المتطرفة، قال تعالى «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» الآية (122) سورة التوبة.

الثقافة الإسلامية

يطالب د.السيد محمود الديب بالاهتمام بالتعليم الديني في سائر المؤسسات التعليمية، من بداية المراحل حتى نهايتها، بهدف ترسيخ الثقافة الإسلامية لدى الناشئة والشباب، بجانب تحذيرهم من الفكر المتطرف.

ويؤكد أن الاهتمام بالتعليم الديني مطلب مهم لإعداد العلماء والدعاة المتخصصين المستنيرين من ناحية، والوقاية من التطرف والتشدد من ناحية أخرى، وأنه يجب في كل الأحوال الاعتماد على كتاب الله، عز وجل، وسنة الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، في سبيل حماية الشباب والوقاية من الفكر المتطرف.

ويدعو إلى اجتهاد العلماء والدعاة في محاورة المتشددين الذين لم يتطور تشددهم إلى عنف، حتى يصلوا بهم إلى الاقتناع والاعتدال، ويقول: الثابت يقيناً أن الحقيقة واحدة ولا يمكن أن تتعدد، وغيرها يتعدد بما يؤدي إلى الفرقة والانقسام والضعف والتناحر التي يتولد عنها الصراع والاقتتال، قال تعالى «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» الآية (153) سورة الأنعام. كذلك من الضروري أن يكون هناك تكثيف للبرامج الدينية الهادفة في وسائل الإعلام، عبر استضافة العلماء المشهود لهم بالوسطية والاعتدال، فذلك من ضمن وسائل مواجهة الجماعات المتطرفة.

تأهيل الدعاة

يشمل التجديد في الخطاب الدعوي، كما يرى د.السيد محمود الديب، تطوير وتأهيل الدعاة، فإذا لم يكن الداعية على وعي كامل بمن حوله ومستوى معارفهم ومصادر ثقافتهم، فإن الخطاب لا أثر له، ولا خير يرتجى منه. لذلك يجب الاهتمام بالدعاة من ناحية الإعداد والتحديث والتأهيل والقدرة على الإقناع، وذلك كله وفق متطلبات الأحوال، كما أن اختيار الخطاب الموجه للمسلمين، أينما كانوا، ينبغي أن يكون واضحاً مقنعاً ومطابقاً لسائر مستقبليه، فالتجديد يكون في الموضوع والداعية والأسلوب، بحيث يتناسب مع ما يوجد على الساحة من خروج على الثوابت الدينية، وفي ضوء ذلك يتحتم أن يكون الخطاب الدعوي بكل أشكاله مطابقاً لأحوال المتشددين والمتربصين، وأن يكون أيضاً مطابقاً لمستوى أفكارهم وتوجهاتهم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"