عادي

نهاية الخلق

بدائع الكون في القرآن
00:05 صباحا
قراءة 5 دقائق
1

أ.د.حميد مجول النعيمي

كما هو معروف لدينا، فإن أمر قيام الساعة بيد الله سبحانه وتعالى لا يعرفها أحد، لذلك، فقد أقسم الله بيوم القيامة كما في الآيتين أدناه:
«لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» القيامة 1، 2.

حميد مجول

يأتي القسم بأمرين عظيمين:
1- يوم القيامة ( قيام الساعة)، «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ»، و (لا) ليست نافية للقسم، وإنما مؤكدة له وقد قرئت «لأقسم بيوم القيامة» باللام من غير ألف معها، وعلى هذه القراءة تكون اللام مؤكدة أو للقسم. ومعروف للجميع عظمة وأهمية يوم القيامة، إنه اليوم الذي يُحشر فيه الناس ويُحاسبون، ويتقرر مصيرهم الأبدي.
2- النفس اللوامة، «وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ»، واقتران الأمرين بالقسم يُشعر بأنهما على درجةٍ متقاربة من الأهمية والعظمة والمكانة.
واللوامة: من اللوم، واللوم معاتبة الإنسان نفسه، ومراجعته لها، لكي يُحاسبها على الخطأ، وعندما تكون هذه الحالة دائمة عند الإنسان، يُطلق على نفسه: النفس اللوامة.
جعل الله عز وجل لنفس الإنسان هذه الخاصية، تماماً كوجود المناعة في جسم الإنسان ضد الأمراض، وإذا اخترق نظام المناعة لدى الإنسان فإن حياته تكون معرّضة لجميع الأخطار، وهذا ما يُعبر عنه الآن ببعض الأمراض الخطيرة التي ظهرت في العشرين سنة الأخيرة وربما تظهر أمراض أخرى بمرور الزمن، وأحدثها جائحة «كوفيد – 19» اللئيمة والتي ظهرت عام 2019 ومازال العالم يعانيها والله أرحم الراحمين. 
النفس اللوامة نظام مناعة روحي عند الإنسان، في مقابل جراثيم الذنوب والأخطاء، فمن طبيعة الإنسان أنه إذا أخطأ تحرّك ضميره وأشعره بالخطأ، وفي لحظات التأمل يُحاسب الإنسان نفسه على أخطائه. وإذا فُقدت هذه الحالة، بسبب تراكم الذنوب والأخطاء، عندها لا يعود الخطأ باعثاً للمحاسبة والمراجعة، فيخرج الإنسان من دائرة (النفس اللوامة) ويبقى منحصراً في دائرة (النفس الأمارة)، «إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»، ويكون الإنسان حينها في منطقة الخطر والهلاك، إلا أن يُنقذه الله تعالى، «إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي».
والله سبحانه تحدث عن عِلْمُ السَّاعَةِ في عدد من الآيات القرآنية مثل:
«إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» لقمان 34. «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» النحل 77، 87.
لذلك فإن لحظة القيامة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، لأن الآخرة لها قوانينها الخاصة بها تختلف تماماً عن قوانين الدنيا، وهي لا تأتي إلا بأمر الله تعالى «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» البقرة 117.
«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» الأنعام 73، لأنه خالقها وخالق كل شيء في الكون:
«اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» الزمر 62.
 كما قال الله عز وجل وتحدّث في عدد من الآيات عن بدء الخلق والإعادة، لأن الله تعالى خلق الكون وأجرامه مخلوقات تولد وتموت، وكل مخلوق أو جرم سماوي له بداية ونهاية لا يعلمها إلا الله العزيز القدير، وتحاول علوم الفيزياء الفلكية والكونية تقديرها، فالنجوم، مثلاً، تولد وتموت، تولد من الغازات والأتربة والدخان المتوافرة في السدم وتموت على شكل عناصر ومعادن صلبة مثل الحديد، والله ذكر ذلك في عدد من آياته الكريمات مثل: «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» الأنبياء 104، «أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» العنكبوت 19، «اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» الروم 11، «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ»، يونس 34
فلكياً: هل علم الساعة أو يوم القيامة هو:
•انفجار الشمس؟ «لأنه حسب حساباتنا الفيزيائية الفلكية سوف تنفجر الشمس بعد 3000 مليون سنة وتصبح نجماً عملاقاً ومادتها، (بعد انفجارها) ستغطي الكواكب القريبة منها وهي عُطارد والزهرة والأرض وكذلك القمر. وبالتأكيد، ستتحول هذه الكواكب وضمنها قمر الأرض والأجرام السماوية الأخرى الموجودة ضمن مدارات هذه الكواكب، إلى أشلاء تندمج مع المواد الغازية والترابية للشمس وبعد ذلك تموت الشمس وتتحول إلى قزم أبيض بحجم الكرة الأرضية». وقد تكون، والله أعلم، هي يوم القيامة
•أم قيام الساعة عند رجوع (عودة )الكون كما كان سابقاً (يعود الكون لينكمش ويكون رتقاً)؟ ونحن نعلم، فيزيائياً وفلكياً، أن الكون حالياً في توسع، وسرعة هذا الاتساع في ازدياد تتناسب طردياً مع البعد بين أي مجرتين، ونظرياً في حال ازدياد كثافة الكون وأن تصبح أكبر من الكثافة الحرجة، فإن تمدد الكون سيتوقف ويعود ينكمش ليصبح كما كان قبل الانفجار الكبير. «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» الأنبياء 104
•أو قد يكون في حالة اصطدام جرم سماوي بالأرض؟ والاحتمالات موجودة، لأن المجموعة الشمسية مملوءة بمليارات الصخور والأجرام السماوية المختلفة مثل الشهب والنيازك وخاصة الكويكبات الصغيرة الموجود أغلبها بين مداري المشتري والمريخ، والمذنبات والكواكب والأقمار....الخ، فكثير من هذه الكويكبات والصخور والمواد تسقط على الكواكب وكذلك يسقط بعضها على الكرة الأرضية لتكون الشهب والنيازك، والمعروف أن الكبيرة منها قد تكون مدمرة (وكلٌ بأمره عز وجل)، فهل احتمالية سقوط أو اصطدام جرم سماوي كبير بالأرض هو تدمير أو نهاية الأرض ومن فيها؟ الله أعلم.
•كثير من العلماء يعتقد بأن قوى الجذب على الأرض (المد والجزر) تتغير، ويعتقد أيضاً أن الأرض ستتغير حركتها وطبيعتها خلال ملايين السنين وتدمر الحياة فيها، فهل هي قيام الساعة؟ الله أعلم.
•أو قد يكون اصطدام مجرتنا «درب التبانة» مع مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا 2.5 مليون سنة ضوئية (وتُعَد هذه المجرة أقرب المجرات الضخمة إلينا)، إذ يتوقع العلماء ذلك في المستقبل البعيد.
لذلك فإن أمر علم الساعة ولحظة القيامة عند الله، عز وجل فقط، والله سبحانه وتعالى أعلم.
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"