عادي

«كورونا» الدول الفقيرة.. يعمق الأزمة الغذائية

23:51 مساء
قراءة 4 دقائق
1

كتب - المحرر السياسي:

أمام العروض السخية للمواد الغذائية التي نراها على أرفف محال السوبر ماركت والأسواق المحلية، قد يصبح الحديث عن أزمة غذائية، بغض النظر عن أسبابها، غير قابل للتصديق. إلا أن التقارير الرسمية التي تصدر عن المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الغذاء العالمية، «فاو»، تعرض صورة قاتمة للنقص الحاصل في إمدادات الغذاء العالمية، خاصة في الدول الفقيرة نتيجة عدد من العوامل التي كان آخرها تفشي وباء كورونا.
المتتبع لتلك التقارير يجد نذر الحديث عن تصاعد أسعار الأغذية منذ ما يقرب من سبع سنوات، نتيجة الزيادات الطارئة على أسعار المنتجات الغذائية، في ظل تعدد بؤر الصراع وموجات الجفاف وتغيرات المناخ وعجز سلاسل التوريد، أو تعطلها، وأخيراً تفشي الوباء خلال العام الماضي، وحتى اليوم، مع غياب الضوء الأخضر في نهاية النفق الذي أحدثه في دورة عمل الاقتصاد العالمي.
 ورغم تباطؤ وتيرة انتشار جائحة «كورونا»، وتراجع عدد حالات الإصابة بها في بعض البلدان، فإنها آخذة في الظهور مجدداً في بلدان أخرى حيث يتواصل انتشارها في صيغ متحورة. وتحذّر «فاو» من أنه ما لم يتحرك العالم بسرعة فسوف يواجه حالة طوارئ غذائية عالمية تترك آثاراً طويلة الأجل على مئات الملايين من الأطفال والكبار.
 ويبدو أن المشكلة في البلدان النامية طالت فرص إنتاج الغذاء بالطرق البدائية، وعلى الصعيد الفردي في إطار الأسرة الفلاحية في الأرياف، وهو ما كان يغطي نسبة كبيرة من الطلب على المنتجات الغذائية اليومية من دون المرور عبر دورة سلاسل التوريد التقليدية.
وقد عمقت هذه الظاهرة أزمات أخرى تتعلق بالأمن الغذائي في تلك الدول، مثل ارتفاع أسعار المنتجات والخلل في علاقات السوق والتفاوت الطبقي وتأثير الأوبئة في صحة العامة من الناس والذي قد يتطلب توفير منتجات غذائية خاصة.
 مساحة الجوع تتسع
 وأفاد تقرير الأمم المتحدة لعام 2020 بأن 132 مليون شخص في العالم أضيفوا نتيجة تفشي الوباء، إلى قائمة الذين يعانون مشاكل تتعلق بالجوع، وعددهم يقرب من 700 مليون شخص في العالم. وجاءت الزيادة الكبيرة تلك بسبب التبعات الاقتصادية لتفشي الوباء الذي قلص فرص العمل، وفرض ركوداً اقتصادياً طاحناً، تلاشت معه حوافز العمل في القطاع الزراعي في غياب الطلب على المنتجات ذات الصلة بالانتاج الصناعي، الأمر الذي تسبب بارتفاع نسبة البطالة في أوساط العمال الزراعيين في الدول النامية التي يعتمد اقتصادها على الصادرات من المحاصيل الزراعية.
 ويقول خبراء الأغذية والمحاصيل الزراعية في «فاو» إن العلاقة الجدلية بين الجوع والفقر تحول دون القدرة على الخروج من الأزمة بسهولة. فعندما يعاني الناس الجوع، أو نقص التغذية المزمن، يتعذر عليهم تلبية احتياجاتهم الغذائية، أي استهلاك ما يكفي من السعرات الحرارية ليعيشوا حياة طبيعية ونشطة فترات طويلة. ويشكّل ذلك انتكاسة للجهود المبذولة عالمياً للقضاء التام على الجوع.
 وأفاد تقرير للبنك الدولي بأن الأثر الاقتصادي الناجم عن الجائحة يمكن أن يترك 100 مليون شخص في الدول النامية في فقر مزمن، ما يتطلب اتخاذ تدابير عاجلة للتخفيف من حدة الآثار طويلة الأجل في النظم الغذائية والأمن الغذائي.
 ومع استمرار عجز المنتجين الزراعيين في الدول النامية وغيرها، عن زراعة أراضيهم هذا العام، أو زراعة جزء منها فقط، تتزايد المخاوف من تعمّق أزمات الأغذية مع نهاية العام.
 وتشير أحدث بيانات «فاو» الخاصة بالتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي إلى تفاقم يبعث على القلق الحاد في البلدان التي تعاني أصلاً أزمات أخرى.
 وتكشف الدراسات الاستقصائية الميدانية التي تجريها المنظمات الدولية حالياً، عن أن صغار المنتجين يواجهون تحديات متزايدة في الحصول على المواد الأساسية التي تدخل في عملية الإنتاج - مثل البذور والأسمدة - بسبب ارتفاع أسعارها؛ أو عدم توفرها في الأسواق المحلية في الدول النامية، والانخفاض الشديد في دخل الأسر.
عناصر الأمن الغذائي
والحقيقة أن الأمن الغذائي لا يقتصر على إنتاج المحاصيل الغذائية فحسب، بل تدخل في حساباته عناصر أخرى لا تقل أهمية، تشمل المنتجين والمستهلكين والمدخلات الزراعية والسمكية والتجهيز والتخزين والنقل والتسويق، وغيرها.
 وقد تعرضت سلاسل الإمدادات الغذائية في بداية الأزمة للضغط نظراً لفرض الكثير من البلدان قيوداً على حركة البضائع والأشخاص عبر الحدود وداخلها. وكان تأثير ذلك أشد في الدول الأضعف التي واجهت تحديات معقدة لا تقتصر على توافر الأغذية، بل تطال سبل الوصول إليها. خاصة أن دولاً كثيرة منعت تصدير المنتجات الغذائية تحسباً لأزمة متوقعة. ومما زاد الطين بلة تدهور قيم عملات تلك الدول في ظل الإغلاقات ووقف النشاط الاقتصادي، ما أضعف قدراتها الشرائية، وتسبب بقفزات متتالية في أسعار الأغذية.
 وتؤثر الجائحة في قطاع الثروة الحيوانية بسبب انخفاض إمكانية الحصول على علف الحيوانات، وانخفاض قدرات المسالخ بسبب القيود اللوجستية ونقص اليد العاملة. وتشير بيانات «فاو» إلى تراجع إنتاج العالم من اللحوم بنسبة 1.7% خلال عام 2020.
 أما الآثار المترتبة على قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية فمتفاوتة، ومعقدة. فقد يتسبب تعطل عمل سفن الصين نتيجة التدابير الوقائية وتقييد الحركة بتعطل بقية حلقات سلاسل التوريد، وبالتالي العجز في إمدادات الأغذية البحرية، خاصة تلك التي تحتاج إلى معالجات خاصة، مثل التبريد أو النقل السريع، تجنباً لزيادات في نسبة الفاقد ومعدلات الهدر. وقد تراجع إنتاج الهند من الروبيان بنسبة تتراوح بين 30 و40% بسبب الجائحة.
 عجز عن تأمين الأغذية
ومن غير المرجح أن يزول تأثير كل تلك المعطيات في الدول النامية في المدى المنظور، لارتباطها بالقدرات المالية والإمكانات عموماً. فقد أكد تقرير أعدته منظمة الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمات حكومية وغير حكومية من الاتحاد الأوروبي، أن شعوب 55 دولة من دول العالم لم تستطع تأمين ما يكفي من الأغذية للمحافظة على صحتهم عام 2020.
واستشهد التقرير بالأوضاع في بوركينا فاسو وجنوب السودان واليمن وأفغانستان وهايتي.
 ولكي يتجنب العالم التعرض لأزمة طوارئ غذائية، يجب عليه المسارعة إلى حماية البلدان الأشد ضعفاً، والحفاظ على سلاسل الإمدادات الغذائية العالمية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"