تنمية الشغف

23:07 مساء
قراءة دقيقتين

د.باسمة يونس

تتطلب تنمية الصناعات الثقافية تنمية شغف الأطفال والكبار بها أولاً، عبر إنشاء علاقة مستمرة بينها وبينهم داخل، وخارج أماكن الدراسة، ويتطلب إنجاح العلاقة توفير مناهج موسعة ومتوازنة تعزز التطور الروحي والأخلاقي والثقافي والعقلي والبدني للموهوبين، وتجعل تجربة ممارسة الفعل الثقافي محلاً لسعادتهم.

وينبغي أن تكون معرفة الأعمال الفنية العظيمة من الموسيقى والأدب والمسرحيات والمبدعين فيها جزءاً مهماً من التعليم، وأن تغرس هذه المعرفة داخل المتعلمين شغفاً يفتح لهم أبواب المواهب والوظائف المستقبلية في القطاعات الثقافية والإبداعية.

ويساعد توفير المؤسسات الثقافية مساحات للتعلم وتشكيل مجموعات ثقافية خارج نطاق الدراسة والمنهج المدرسي، في إبقاء شغف التلاميذ متّقداً بما تقدمه لهم من برامج استكشاف للموسيقى والفن والمسرح، وأشكال أخرى من التعبير الفني، على العكس مما قد تتسبب به الممارسات الصارمة أو المناهج التعليمية التقليدية التي سيكون تأثيرها سلبي لدرجة تقليل اهتمامهم بشغفهم، وقد يصل إلى درجة تخلي البعض تماماً عنه.

وأهمّ من كل ما سبق، الحرص على أن يكون الطفل في حالة استمتاع وفرح أثناء ممارسة أي نشاط مرتبط بالثقافة، فالابتهاج يزيده حباً بالفنون، ويعلّقه بها بقوة. ومن المهم تحفيز دافعه الجوهري للمشاركة أكثر من وعده بمكافأة، أو تحذيره من عقوبة إن فشل، أو تقاعس أثناء قيامه بالتجربة.

 ويزدهر الإبداع بتأثير التحفيز الداخلي والشعور بالاهتمام والمتعة والرضا وتحدي العمل نفسه، ولكون المهمة ذات مغزى، فالعمل الذي يهدف إلى مستويات أعلى من الإبداع والمزيد من الفرح سيدعم المثابرة، كما يدعم (الفضول) التفكير الإبداعي العميق وينمّي حب التعلم مدى الحياة.

ورغم امتلاك الفنون قدرة ذاتية على خلق فرص للتأمل الذاتي والتعبير عن الذات، لكن الموهوبين غالباً ما يفقدون الاهتمام بالفنون بالطريقة نفسها التي يفقدون بها اهتمامهم بالمدرسة، أي عندما يعجز المعلم عن استثارة فضولهم، ولا يسعى إلى تعليمهم ببرامج تحثهم على الاستكشاف. ويعتقد الكثير من الناس أن مجرد مساعدة الطفل على التلوين أو اتباع توجيهات المعلم عمل إبداعي، لكن الإبداع ينطوي على حل المشكلات، وتوليد الأفكار والتخيل، فإذا كانت دروس الأدب، على سبيل المثال، تتضمن حفظ القصائد وتسجيل الملاحظات عليها فهذا لا يعني أن التلميذ مبدع، ولكن سيظهر إبداعه ضمن النطاق الكامل للتفكير الإبداعي. ويعمل العديد من المعلمين ضمن اعتقاد خاطئ بأنه يجب على التلميذ تعلّم المهارات أولاً ليصبح مبدعاً، بينما تنمية المهارات التي هي جزء من النمو في أي فن، تحدث أثناء ممارسة العمل الإبداعي فعلياً.

وتسهم المنح الدراسية وفرص التعلّم من الموهوبين المحترفين والعمل معهم، وإنشاء برامج مخصصة لربط المؤسسات الثقافية والمدارس وإطلاق جوائز ثقافية رفيعة المستوى، في دعم وتنمية شغف شباب الموهوبين وتتيح الفرص للكشف عما لدى الجميع من مواهب بغض النظر عن نضج تجاربهم الثقافية.

[email protected]

عن الكاتب

​كاتبة ومستشارة في تنمية المعرفة. حاصلة على الدكتوراه في القيادة في مجال إدارة وتنمية المواهب وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورابطة أديبات الإمارات. أصدرت عدة مجموعات في مجالات القصة القصيرة والرواية والمسرح والبرامج الثقافية والأفلام القصيرة وحصلت على عدة جوائز ثقافية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"