عولمة إلاّ رُبع

01:10 صباحا
قراءة 3 دقائق

استطاع الصاروخ الصيني الذي خرج عن مداره أن يكون حديث سكان الكوكب من أقصاه إلى أدناه، واستطاع وباء «كوفيد- 19»، أن يوحّد الخطاب العالمي الإعلامي والاتصالي، فيكون حديث الناس لا يكاد يخرج عن متابعة الإحصاءات اليومية للضحايا بين مصابين وقتلى، و متابعة سباق اللقاحات، لكنّ عولمة هذي «المآسي» إن صح التعبير، لا يعطي العولمة مفهومها الإنساني الكامل.
 لِنَقُل إن الذين قدموا العولمة على أنها «الحل السحري» لكل قضايا التخلف والفقر، و إن الذين وصفوها بكونها ستجعل العالم «قرية صغيرة وسعيدة»، يسودها التفاهم والسلام والتعايش السلمي، بين أتباع الحضارات والديانات والثقافات، لم ينصفوا ولو أنصفوا لقالوا إنها عولمة إلا ربع، عولمة منقوصة، توحّد العالم في المآسي و الهموم، وتفرّقه في صراع المصالح، الذي لم ولن ينتهي، ما دامت الإنسانية لم تبلغ سن الرشد بعد.
 نعم إنها عولمة المصالح، و الصراع الاقتصادي الحاد بين القوى العظمى التي تتبادل الأدوار في كل حقبة، في حين يمضي العالم «النامي» أو الفقير ليغرق في المزيد من الفقر. 
 لم يخطئ الذي قال إن العولمة ستزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً. فالأزمات العالمية المالية والاقتصادية والصحية مؤخراً، قد كشفت عن أن الدول المتقدمة هي الأكثر ربحاً من كل هذه الأزمات، في حين تنهار دول ناشئة، وتتراجع اقتصاديات نامية، لتغرق في المديونية العامة، وفي البطالة وفي الأزمات الاجتماعية. و لنقرأ بيانات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وغيرهما من المؤسسات المالية الدولية لنرى حجم الفوارق الإنمائية بين الدول الغنية والدول الفقيرة.
 في خلاف الاجتماعات الأخيرة، توقع صندوق النقد الدولي، أن الاقتصادات المتقدمة والصين ستخرج من الأزمة سالمة إلى حد كبير اقتصادياً؛ حيث سيكون الاقتصاد الأمريكي أكبر بقليل مما كان متوقعاً مسبقاً، بينما ستعاني البلدان الناشئة والنامية ضربة كبيرة وطويلة الأجل، لكن ينبغي أن نتذكّر أن ثلثي البشر يعيشون في هذه البلدان المتضررة. 
وتشير التوقعات إلى أن التباين سيزداد بين الدول الغنية والدول الفقيرة، فمن المتوقع أن تتمتع الاقتصادات المتقدمة بنمو تراكمي في الناتج المحلي الإجمالي للفرد بين عامي 2019 و2022 أقل بنقطة مئوية واحدة فقط مما كانت عليه في يناير/كانون الثاني 2020، لكن من المتوقع أن تعاني الأسواق الناشئة والبلدان النامية منخفضة الدخل من تضرر نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد بمقدار 4.3 و6.5 نقطة مئوية على التوالي.
 كما أظهر بحث أجرته «بلومبرغ إيكونوميكس»، أن بيانات السوق والشركات على مدى 30 عاماً (أي منذ ظهور نظام العولمة في شكله الحديث) أن أكبر الشركات في العالم تبلي بلاء حسناً، لكن قد لا تكون هذه أخبار جيدة للجميع؛ إذ تشير إحدى علامات القوة المتزايدة للشركات العملاقة إلى ارتفاع قدرتها على مقاومة الضرائب؛ حيث انخفض متوسط ​​معدل الضريبة الحقيقي لأكبر الشركات في العالم إلى النصف، من 35% عام 1990 إلى 17% عام 2020، وهو ما يعكس التأثير المشترك لمعدلات الضرائب المنخفضة واستراتيجيات الإصلاح الضريبي القاسية. وبمعنى أكثر وضوحاً فإن الشركات العملاقة تزداد ربحية، فيما تتقلص مساهمتها الضريبية، ما يجعل الحكومات تعاني نقصاً في مداخيلها، الأمر الذي يجعلها تسلط مزيداً من الضرائب على العمال والموظفين وهي الفئات التي تميل إلى مزيد من التفقير.
 ولعل العنصر الأكثر وضوحاً في أن العولمة ما زالت تتحرك في سياق «لا إنساني» هو ما يتعلّق بتوزيع اللقاحات، فمنظمة الصحة العالمية، وعلى لسان مديرها تيدروس أدهانوم غيبريسوس، فإنه «تم توزيع أكثر من مليار جرعة للقاح كورنا في العالم حتى الآن، استخدمت 80 في المائة منها في الدول عالية الدخل وحصة الدول منخفضة الدخل كانت صفر فاصل ثلاثة في المائة. هذا التفاوت غير مقبول، ليس لأنه غير أخلاقي فحسب؛ بل لا يمكن هزيمة الفيروس في عالم منقسم».

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"