التوتر تجاه المستقبل

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

معظم الكتابات التي تتنبأ بالمستقبل تثير ضجة عند صدورها، يتناقش حولها الكثيرون، ويختلفون تجاه ما تطرحه، ولكن الملاحظ أن أغلب تلك النقاشات تخبو لاحقاً، وما يثير الاستغراب غياب المتابعة التي تخبرنا بعد فترة عن صحة النتائج التي كان هذا المحلل أو ذلك المنظر قد توقعها.

   في 2009 صدر كتاب «الأعوام المائة القادمة» للأمريكي جورج فريدمان، ويدور حول مستقبل العالم خلال القرن الحادي والعشرين، وتتعدد في الكتاب الأطروحات التي أثارت بعض المحللين وقتها، منها مثلاً أن العام 2020 سيشهد تفكك روسيا والصين، وستنشأ عدة قوى عظمى جديدة مثل بولندا والمكسيك، وتتلبس المؤلف روح العراف عندما يقول إن الحرب العالمية الثالثة ستقع عند الساعة الخامسة من مساء الرابع والعشرين من نوفمبر عام 2050، عندما تقوم اليابان بضرب القوة الفضائية الأمريكية، والناس في قيلولة بسبب احتفالهم بعيد الشكر، في سيناريو يشبه إلى حد كبير ما حدث في «بيرل هاربور».

   وبعد سرد ممتع للحرب، تنتهي المعارك بانتصار للولايات المتحدة. والغريب أن الترجمة العربية للكتاب الضخم، 400 صفحة من القطع الكبير، صدرت في عام 2019 ولم يعلق المترجم بأي إشارة حول ما ذهب إليه فريدمان في ما يتعلق بروسيا والصين.

   أسباب كثيرة يستند إليها المؤلف في مقولته حول الصين، فيقرأ مختلف أبعاد المشهد السياسي، ويرصد التركيبة الاجتماعية، ويرى أن النمو الهائل الذي حققته الصين في العقود الثلاثة الأخيرة، لن يستمر، فالتاريخ لم يعرف دولة تحقق هذه المعدلات الهائلة في النمو لمدة طويلة، ومع تراكم الزيادة السكانية وتشكل علاقات مصالح تربط بين أباطرة رأس المال الصينيين والغرب تجعلهم يفضلون الاستثمار في الخارج عن الارتباط بالوطن الأم، ستنفجر التناقضات الاجتماعية بين مختلف أقاليم الصين، الأمر الذي سيؤدي إلى اضطرابات، ومن ثم يتفكك البلد، ولكن هذا لم يحدث، وأصبحت الصين أقوى في الموعد الذي حدده فريدمان لانهيارها.

   ليس فريدمان وحده الذي لم يراجع أحد أطروحاته، ولكننا مثلاً توقفنا عن النظر في مقولات فوكوياما و هنتنجتون بخصوص الانتصار النهائي لليبرالية وصدام الحضارات، لقد مرت سنوات طويلة على تلك المقولات، وتستحق من المعنيين اختبارها الآن.

   وضع المشتغلون بعلم المستقبليات عدة قواعد تمكّنهم من قراءة المشهد المتعلق بأي قضية يبحثونها خلال فترات زمنية محددة، قواعد كانت تعتمد على مكونات واقع شبه مستقر بقواه الفاعلة ومرجعياته الإيديولوجية، ومن هنا يمكن للباحث التنبؤ بالمقبل، ولكن القفزات الهائلة التي شهدتها البشرية خلال العقدين السابقين كانت متسارعة لدرجة أنها ربما تكون غيرت كل شيء. ففي العلوم والاتصالات والتكنولوجيا هناك أفكار كانت تبدو بالأمس القريب أشبه بالسحر، وصاحَبَ ذلك رؤى جديدة تتعلق بإدراك الإنسان لموقعه في العالم وحراك المجتمعات وتطلعاتها، أي أن مكونات الواقع نفسها باتت في حالة تحول لحظي مستمر، ربما يتطلب قواعد جديدة وأساليب مختلفة من التفكير، ويبدو أن الفشل في قراءة شبه دقيقة للمستقبل تسبب الشعور بالتوتر الذي ينتاب معظم البشر الآن.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"