ما بين «الشيخ جراح» و«الأقصى»

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

التصعيد الجاري الآن في فلسطين الذي بدأ في القدس وامتد إلى مدن وقرى الضفة الغربية ومنها إلى قطاع غزة، يجيء في وقت شديد الحرج بالنسبة للسلطتين الحاكمتين في رام الله وتل أبيب، حيث فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة «الإسرائيلية» الجديدة، ما دعا الرئيس «الإسرائيلي» رؤوفين ريفلين إلى تكليف زعيم حزب «هناك مستقبل» يائير ليبيد بتشكيل الحكومة الجديدة، في خطوة قد تدفع إلى أحد خيارين؛ أولهما أن ينجح ليبيد في تشكيل حكومة متطرفة بالتحالف مع حزب الصهيونية الدينية المتطرفة بزعامة بتسلئيل سموتريتش، والتي لن يكون همها غير تعميم تهويد وضم الضفة الغربية. ثانيهما هو الدعوة إلى انتخابات خامسة في غضون عامين، وهي خطوة إن حدثت ستؤدي إلى تحويل أزمة تشكيل الحكومة إلى «أزمة نظام سياسي».

 في ذات الوقت، تجيء الأحداث الساخنة في حي الشيخ جراح، وفي رحاب المسجد الأقصى المبارك، في وقت غير مناسب للسلطة الفلسطينية التي أفشلت قرار إجراء الانتخابات التشريعية، ما أدى إلى تفجير موجة من الغضب الشعبي ضد هذا القرار. هذا الغضب يلتقي الآن مع غضب عارم نتيجة عجز السلطة الفلسطينية عن تَقَدُّم الصفوف للدفاع عن الحقوق المشروعة لعائلات حي الشيخ جراح بالقدس، المهددين بالطرد من منازلهم بقرار من المحكمة الإسرائيلية، وبقوة الأمر الواقع الذي يفرضه المستوطنون المتربصون بمنازل هذه العائلات، ويتأهبون للانقضاض عليها، بدعم كامل من سلطات الاحتلال.

 طموحات الاستيلاء على المسجد الأقصى، تلتقي مع طموحات الاستيلاء على منازل حي الشيخ جراح، وطرد عائلاته الفلسطينيين لبناء حي يهودي بديل، تماماً كما كان الحال مع حي سلوان. فمخطط الاستيلاء على الأحياء العربية بالقدس، هو ذاته مخطط الاستيلاء على المسجد الأقصى، والدفع بخطة التقسيم المكاني والزماني، تماماً كما حدث مع الحرم الإبراهيمي.

إن ما يجري في الشيخ جراح حالياً  يعد تجسيداً صغيراً لما يحصل في القدس منذ احتلالها عام 1967. كان يوم الاثنين الماضي (2021/5/10) ذروة المواجهة، عندما اقتحمت قوات الأمن «الإسرائيلية» المسجد الأقصى، واشتبكت مع المصلين والمعتكفين لإخراجهم من ساحات المسجد، استعداداً لاستقبال ما يسمونه ب «مسيرة الأعلام» لغلاة المستوطنين واليهود المتطرفين، احتفالاً بما يعتبرونه «يوم القدس»، أي عيد ضم القدس واستردادها عقب نكسة 1967.

 الأمر الملفت بهذا الخصوص، أن وقوف أحزاب اليمين الفاشي والمتطرف وراء هذا التوجه الذي يرمي إلى تهويد وضم الأقصى وما بقي من أحياء القدس، يضع الحكومة «الإسرائيلية» في معركة منافسة في التطرف مع هذه التيارات، الأمر الذي لا تقدر عليه السلطة الفلسطينية غير المؤهلة للانخراط في خيار الدفع بانتفاضة شعبية ثالثة للتصدي لهذا المخطط.

 فإذا كان نواب حزب «الصهيونية الدينية» الأربعة في الكنيست قد دفعوا بمشروع قانون يتضمن خطة تستهدف ما يعتبرونه «مكافحة إهمال السيادة الإسرائيلية في القدس الشرقية» والعمل من أجل شرعنة الاستيطان اليهودي في القدس وجميع أنحاء يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة)، فإن بنيامين نتنياهو رئيس حكومة تسيير الأعمال ومعه وزير الاستخبارات إيلي كوهين، حرصا على منافسة هذا التطرف بتطرف أشد. فرداً على ما يحدث في القدس من مواجهات ووصول بعض صواريخ قطاع غزة إلى القدس المحتلة رداً على التصعيد ضد الفلسطينيين، قال نتنياهو «لن نسمح لأي طرف بزعزعة الأمن فى القدس». وقال إن «إسرائيل ترفض بشدة الضغوط التي تهدف لمنعها من البناء في القدس». أما إيلي كوهين الذي رفض مطالب أمريكية ب«التهدئة» في القدس، فقال في حديث مع إذاعة «تساهال» الأحد الماضي إن «بلاده ملك لهم، وهي ليست بحاجة إلى توجيهات من أحد».

 قول نتنياهو منذ أيام إن حكومته «تؤمن حرية العبادة لجميع سكان القدس» معناه الصريح أن ما يحدث الآن من جهود لتهويد حي الشيخ جراح ينتظر المسجد الأقصى، وهذا هو الخطر.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"