اكتشاف العقل الباطن للمؤسسـات

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

د. راسل قاسم *

أصبحنا نعرف، أن الإنسان يمتلك عقلاً باطناً، يعمل على تحفيز السلوك ويؤثر في الحالة النفسية. فهل تمتلك المؤسسات  يا ترى، مثل هذا العقل الخفي الذي يعمل من وراء الستارة؟

منذ أن صاغ فريدريك شيلنغ مصطلح العقل الباطن في القرن الثامن عشر، تهافت العديد من العلماء والمفكرين على كشف أسرار هذا السفر الغامض، فأطلقوا عليه العقل اللاواعي أو اللاشعور، ليصفوا العناصر التي تتألف منها الشخصية وخصوصاً تلك التي لا نعيها بشكل مباشر.

عندما تزور إحدى المؤسسات، فإن أول ما يستوقفك هو مبانيها من مداخل ومكاتب وصالات انتظار، ثم تبدأ بتكوين انطباع أوضح بعد تعاملك مع الموظفين وملاحظتك لهندامهم وسلوكهم. أنت هنا في منطقة العقل الواعي، حيث المنطق والصورة الجميلة، وإظهار ما تريد المؤسسة أن تظهره.

سيبدأ العقل الباطن لهذه المؤسسة بالظهور إلى العلن، عندما تمر بأزمة غير متوقعة، أو بظرف طارئ لم يكن على شاشة رادارها، عندها تنفلت الشخصية الحقيقة للمؤسسة من عقالها، وتأخذ القناعات الدفينة التي كانت مخبأة مقعد القيادة. قد يُظهر العقل الباطن للمؤسسة وجهاً إيجابياً وقدرات متميزة، وقد يظهر أيضاً فجوات وضعف وهشاشة لم تكن ظاهرة للعيان.

يمكننا المقاربة بين العقل الباطن المؤسساتي والثقافة المؤسسية الخفية، على اعتبار أن لكل مؤسسة شخصية تميزها عن غيرها من المؤسسات تسمى «الثقافة المؤسسية» وعند النظر إلى تلك الثقافة من زاوية محددة، نراها على ثلاث طبقات، الطبقة الأولى الظاهرة وهي ما نراه بالعين المجردة، والطبقة الثانية وهي القيم والمعتقدات التي تجمع الموظفين في المؤسسة، والطبقة الثالثة الخفية والتي يصعب قياسها أو الوصول إليها، وهي التي تحتضن الأسباب والدوافع الحقيقية التي تحكم سلوك الموظفين وأدائهم، هذه الطبقة الخفية هي السرير الذي يستريح فيه العقل الباطن لتلك المؤسسة.

تستطيع المؤسسات أن تعيد برمجة عقلها الباطن نحو الأفضل مستخدمةً عدة أدوات ومنهجيات؛ من هذه الأدوات «التخيل الإبداعي»، وذلك بأن تقوم المؤسسة بالسير خطوة إضافية على طريق ترسيخ الأهداف والرؤى والتوجهات في العقل اللاواعي للموظفين، بأن يقوم الموظفون وفرق العمل بتخيّل تحقيق تلك الأهداف ووصف كيف سيكون هذا الأمر والاندماج في تلك اللحظة، مستعينين بالمؤثرات البصرية والسمعية والنفسية.

كذلك يُعتبر التكرار من الأدوات الفعّالة في بناء العقل الباطن المؤسساتي، فعلى الرغم من بساطة هذا العمل، إلا أن التكرار ما زال الطريقة الفضلى لتعليم الطلاب وإكسابهم المعارف، وكذلك يساعد المحترفين على إتقان المهارات المختلفة، يأتي التكرار أكله داخل المؤسسات، عندما تنجح في زرع نقاط تذكير بالسلوكيات المرغوبة في جداول عمل الموظفين اليومية، واجتماعاتهم المتواترة، فتصبح تلك السلوكيات قناعة راسخة، تجتاز بوابة العقل الواعي، وتستقر في عقولهم الباطنة.

تحتاج المؤسسات إلى عقلها الواعي المنطقي للقيام بأعمال التخطيط والتنظيم ووضع الأهداف ومتابعتها، ولكنها بحاجة ماسة إلى عقلها الباطن، لكي تتمكن من قيادة السفينة إلى بر الأمان، عندما يشتد النوّ الاقتصادي، ويضطرب بحر الأعمال.

* خبير إداري

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"