أمريكا والفلسطينيون ومجلس الأمن

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

أن تكون قوة عظمى لا يعني المحافظة على تفوق الترسانة العسكرية، ومواصلة الانتشار في قارات العالم والتحكم بسياسات الدول الضعيفة، والانحياز إلى طرف على حساب طرف آخر. أن تكون قوة عظمى يعني أنك ضمن الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الدولي، وتكتسب صوتاً حاسماً وفاصلاً في القضايا الدولية، وأن تكون مؤثراً في السياسات الإنسانية والفكرية والاجتماعية، فضلاً عن السياسات التعليمية والبحث العلمي. وأن تكون عضواً دائماً في مجلس الأمن وتمتلك حق الفيتو هو أن تحرص على العدالة ونشرها والبت فيها، وأن تعطي لكل طرف حقه، وأن تعمل على إرساء السلام والاستقرار ونشر المحبة بين الشعوب، فقد وُليت ولاية تحمل مسؤوليات جساماً تجاه مشاكل الإنسان من حيث الفقر والصحة والرعاية المجتمعية. 

وباختصار، أن تكون دولة عظمى هو أن تكون بمثابة الأب الحكيم العاقل الذي يحكم بين أفراد الأسرة بالعدل والمساواة، وخاصة وأنت تتمتع بحضور قوي في مجلس يُسمى مجلس الأمن الدولي، أي أن هدفه توفير الأمن في العالم وتحقيق السلام على وجه البسيطة، والأمن يعني الأمان والاستقرار، ومن دون هذا الدور فأنت تخسر وظيفتك في مجلس الأمن، وقد تحافظ عليها خارجه، أي في المجالات التي تستدعي القوة.

  الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، تمارس دورها ضمن معاييرها الخاصة وليس في إطار القيم والمبادئ الإنسانية والسياسية العالمية، وهذا الدور جعلها منحازة إلى مصالحها ومصالح حلفائها في العالم، تقف إلى جانبهم حتى في حالة الظلم، وهذا ما تفعله مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، بحيث تتحدث دائماً عن أولوية أمن إسرائيل.

يحدث هذا منذ أكثر من سبعين سنة، تقف إلى جانب إسرائيل حتى وهي تستخدم القوة المفرطة في حل مشاكلها، وتستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو في قرارات يُجمع عليها العالم والمجتمع الدولي، لكن صوتها يكون حاسماً، ويعوق اتخاذ قرارات لوقف الظلم والاعتداءات.

  الولايات المتحدة الأمريكية تعلم تماماً تفاصيل القضية الفلسطينية، وتعلم أحقيتها وشرعيتها من الناحيتين السياسية والإنسانية، لكنها تتماهى مع الموقف الإسرائيلي وتدعمه من دون شروط ، فهي تعلم مثلاً أن هناك قراراً من مجلس الأمن ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هُجّروا منها في العام 1948، لكنها لم تسع إلى تطبيقه وتعمل على تمييعه بوسائل شتى، حتى أنها تدعم السياسات الإسرائيلية التي تحاول إلغاء قرار حق العودة حين تنهمك في إيجاد تعريف للاجئ، وهل اللجوء يُورّث أم لا، وبما أنها ستصل إلى نتيجة أن اللجوء لا يورّث، ستكون قد صادرت حق العودة ل98% من اللاجئين، وقضت على أحلامهم وآمالهم، وتسعى جاهدة إلى تسويف الحلول من خلال التحايل على القرارات الدولية، مرة تطرح حل الدولتين، ومرة تطرح صفقة القرن، ومرة تقترح دولة واحدة، وفي كل الأحوال تقف إلى جانب إسرائيل.

  ويتواصل الموقف الأمريكي اللاإنساني للإدارات الأمريكية جميعها، فإذا وصل دونالد ترامب البيت الأبيض كشّرت السياسة الأمريكية عن أنيابها واتخذت قرارات عشوائية وظالمة بحق الفلسطينيين، حتى أنها اعتبرت رواتب الأسرى عملية تصب في الموقف المعادي لإسرائيل، بصفتهم (إرهابيين)، وقلّصت إلى حد كبير دعمها ل(الأونروا)، فضلاً عن اعترافها بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، أي أنها نسفت اتفاقيات أوسلو.

  ويواصل الرئيس الحالي جون بايدن النهج نفسه في (الطبطبة) على ظهر إسرائيل، فعلى الرغم من استهدافها للمدنيين الفلسطينيين، ورغم محاولة تهجيرها للسكان من حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، إلا أن الرئيس بايدن يتحدث عن أمن إسرائيل ويتجاهل معاناة المدنيين الفلسطينيين الا بالنذر اليسير.

أرى أنه ليس بالضرورة أن يكون الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن من الدول العظمى المنحازة، ولكن من دول محايدة تسعى إلى تطبيق القرارات الدولية، حتى يستتب الأمن في العالم.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/myy8vs38