العين: راشد النعيمي
يعد «بيت محمد بن خليفة» الذي دشن قبل أيام، إضافة جديدة للمعالم المعمارية في تاريخ أبوظبي الحديث، ويقع ضمن مواقع العين الثقافية المدرجة على لائحة «اليونسكو للتراث العالمي»، ليكون شاهداً على تطور التقاليد الاجتماعية والتاريخية والمعمارية للإمارات. بني البيت بين الثلاثينات والستينات من القرن العشرين، وهي الحقبة التي تجمع الأنماط المعمارية التي ظهرت نتيجة للتأثير الاقتصادي بعد اكتشاف النفط وإنتاجه تجارياً، كما يمثل رمزاً للتطور المجتمعي ونموذجاً تمتزج فيه الأنماط المعمارية التقليدية بمواد البناء العصرية وتقنياتها.

«الخليج» تجولت في «بيت الشيخ محمد بن خليفة» الذي يهدف إلى أن يكون مركزاً ثقافياً واجتماعياً يستهدف مجتمع العين المحلي ومجتمع أبوظبي، إضافة إلى جمهور السياحة الإقليمي، حيث أن صون البيت والمحافظة عليه وإعادة افتتاحه بهوية مميزة مساهمة في إحياء ذكرى الراحل الشيخ محمد بن خليفة في تاريخ العين وأبوظبي، ما يلقي الضوء على أهمية الفترة الانتقالية في أبو ظبي من خلال تقديم وتفسير السياق المعماري والاجتماعي والحضري للمنزل والتغيرات التاريخية والاقتصادية المرتبطة به.

يتكون المبنى من كتلتين واحدة لاستقبال الضيوف، هي مبنى المجلس وأخرى للحياة الأسرية، وبالنسبة إلى المجلس، فهو عبارة عن مبنى مكون من طابقين مبني من الخرسانة مع «الليوان» على طول محيطه، ويشمل أقواساً دائرية على الواجهة الرئيسية، والمجالس مقسومة بوساطة ممر مركزي في الطابق الأرضي، و قد استُخدم الطابق الأول الذي هدم إلى حد كبير، ولا تزال جدرانه الخارجية قائمة كمجلس مخصص للضيوف المهمين. أما المبنى الثاني فهو عبارة عن هيكل أكبر من طابقين يضم شرفات كاملة الطول، وبعض الأقواس المثلثية، والعناصر الزخرفية والأعمدة الخرسانية.

وتنقسم الساحة المركزية عن المبنى الأول بوساطة جدار مستقيم مع مدخل منحنٍ، وكان الهدف من هذا الجدار الأصغر، المقام على شكل حرف (L)، إخفاء الفناء والمبنى الثاني من الرجال والضيوف الذين تم استقبالهم في المجلس، حيث استخدم الشيخ محمد بن خليفة وأولاده المنامة في وسط الفناء للنوم في خارج البيت خلال الصيف، وبُنيَ المنزل في عام 1958 بالقرب من فلج «المعترض» للشيخ محمد بن خليفة (1909-1979) وزوجته وأبنائهما.

وكان الشيخ محمد بن خليفة يصدر تعليماته حول طريقة البناء وتقسيم الغرف إضافة إلى الألوان وأسلوب الزينة، حيث يعكس تصميم المنزل ووظائفه البنية الأسرية التقليدية والقواعد الاجتماعية التي تنص بمضمونها على أن الحياة العامة والخاصة منفصلتان تماماً، وسوف يكمّل المنزل ويزيد من عرض وفهم موقع التراث العالمي، ويربط تاريخ ما قبل النفط وتراث العين مع يومنا هذا ليكون معلماً مهماً نظراً لتمركزه على أبواب مدينة العين، كما أن بناءه بالقرب من الفلج يمثل حلقة وصل بين مستوطنات ما قبل النفط التقليدية بالقرب من مصادر المياه والعصر الحديث عندما لا يعتمد موقع المساكن على توافر المياه وعلى الرغم من أن تصنيف المبنى كان تقليدياً، فقد بُنيَ المنزل باستخدام الخرسانة، وهي مادة مبتكرة خلال الفترة الانتقالية، اُستعملت نظراً لحالة المبنى المهجور منذ زمن.

فترة محورية

أجريت عملية ترميم «بيت محمد بن خليفة» بقيادة دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ويسلّط البيت الضوء على جمالية وندرة نمط الحياة والهندسة المعمارية خلال الفترة الانتقالية التي شهدتها المنطقة، وعلى الرغم من كونها فترة صغيرة هي محورية في تاريخ أبوظبي، حيث برزت حينها الأساليب المعمارية الهجينة التقليدية والحديثة نتيجة انتعاش اقتصاد البلاد بعد الاكتشافات النفطية في خمسينات القرن الماضي، ليمثل مصدراً قيماً للتعرّف إلى التقاليد الاجتماعية والتاريخية والمعمارية التي شهدتها الإمارات.

ويقع «بيت محمد بن خليفة آل نهيان» في قلب المواقع التراثية في العين المدرجة على قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي، ويقدم صورة معمقة عن التحولات الاجتماعية والعمرانية المتغيرة التي شهدتها مدينة العين أثناء الانتقال إلى الحداثة، وهو أحد عناصر السرد الأساسية في موقع التراث العالمي.

ويأتي افتتاح «بيت محمد بن خليفة» بعد برنامج ترميم شامل واستراتيجي مع المحافظة على السمات الرئيسية للهندسة المعمارية الخاصة بالبيت والمرتبطة بالفترة الانتقالية، ويسعى البيت في حلته الجديدة إلى تحقيق التوازن في الحفاظ على القيم المادية وغير المادية ليستأنف إرثه بكونه مركزاً حيوياً يرحب بجميع سكان منطقة العين.

لإثراء المشهد الثقافي المحلي، وُقعت مذكرة تفاهم جمعت بين «بيت محمد بن خليفة» و«جمعية مسرح العين»، حيث أصبح البيت التاريخي الآن المقرّ الرسمي لمسرح العين بأنشطته وفعالياته كافة، وسيستضيف مهرجانات ودورات تعليمية وورش عمل متنوعة، موفراً بذلك فرصاً مميزة للمجتمع المحلي للتعلّم الثقافي.

وقال سعود عبد العزيز الحوسني وكيل دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي: «إن منطقة العين هي الشاهد على تاريخ الإمارة العريق، وتعدّ إعادة تأهيل «بيت محمد بن خليفة آل نهيان» وتحويله إلى مركز مجتمعي في العين إضافة نوعية إلى كنوزها الثقافية العديدة، وتطورت العين بشكل كبير على مدى العقود الماضية، وأصبح هذا المنزل يحفظ جزءاً من تاريخ إمارتنا العريق، وسيؤدي دوره الجديد كمركز مجتمعي إلى إعادة البيت إلى مجده الاجتماعي القديم، تروى فيه قصصه، وقصص المدينة المحيطة به من خلال إشراك المجتمع بطرق هادفة ومؤثرة وتدشين تجربة لا تُنسى».

ويقدم «بيت محمد بن خليفة آل نهيان» في موسمه الأول سلسلة من البرامج المتنوعة، بما فيها من أمسيات فنية وفعاليات تراثية ومحاضرات، وهو متاح للجميع للمشاركة في فعالياته واكتشاف دوره التراثي العريق في المجتمع المحلّي لمدينة العين.