د. حميد مجول النعيمي *
«وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ» الطارق 1-3. يقسم الله سبحانه في الآية الكريمة بالسماء والطارق، والطارق هو النجم الثاقب، أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات فينفذ حتى يُرى من الأرض بالأجهزة الفلكية الفضائية المتطورة، وهو اسم يشمل مختلف النجوم ذات الطاقات العالية جداً التي لها الخواص الفيزيائية نفسها، ولكنها مختلفة عن خواص النجوم العادية، إذ تبعث أشعة كهرومغناطيسية قوية جداً أثناء دورانها حول محورها بسرع عالية جداً.
تُعرَّف هذه النجوم فيزيائياً و فلكياً بأنها نجوم نيوترونية نابضة في مراحلها الأخيرة من حياتها، وهي مخلفات انفجار نجم من نجوم المستعرات العظمى (السوبرنوفا)، وحجمها بقدر مدينة صغيرة ولها مجال مغناطيسي عالٍ جداً، وتدور حول نفسها بسرعة عالية لتكمل دورتها بعدد قليل من الثواني وبعضها بأجزاء الثانية، وخلال دورانها حول نفسها تبعث أشعة كهرومغناطيسية قوية جداً في اتجاهين، وذلك يجعلها نجوماً نابضة. ويصاحب انبعاث هذه الطاقات العالية أصوات تشبه الطرق لذلك وصفت بالطارق، وتخترق أشعتها السماء بطاقتها العالية جدأً وكأنها تثقب ما يحيط بها من مواد غازية وترابية وبذلك سميت بالثاقب، والله أعلم.
في نهاية التسعينات من القرن الماض اكتشفت نجوم نيوترونية أخرى سميت بالمغانيط ، فهي في الواقع نجوم نيوترونية عالية المغناطيسية جداً، إذ يبلغ مجالها المغناطيسي أكثر من 100 ضعف المجال المغناطيسي للنجوم النيوترونية العادية، وقد تكون هي تلك الأجرام السماوية ذات الطاقة العالية جداً والمرصودة عند حافة الكون المرئي التي تسمى بالكوازارات. تظهر هذه الأجرام عند مسافات بعيدة جداً وتُعد مراكز مجرية لامعة جداً تصدر طاقات هائلة غير اعتيادية، وأينما تكون هذه الأجرام، فإن لمعانها الهائل يشير إلى أنها أبعد الأجرام السماوية التي يمكن مشاهدتها في الكون.
الخنّس
تتميز الثقوب السوداء بعدد من الخصائص:
1-لا تُرى لا بالعين المجردة ولا بالأجهزة، لأنها لا تسمح للضوء بالخروج منها بسبب جاذبيتها الكبيرة، ولكن نتحسس وجودها من خلال رصد ما حولها من المادة (سرعة الهروب من على سطحها أكبر من سرعة الضوء).
2- تجري بسرعات كبيرة وتأكل أو تشفط كل شيء في طريقها بسبب قوة جاذبتها الكبيرة جداً.
3- تبتلع وتجذب كل شيء في محيط جاذبيتها وكأنها تكنس صفحة السماء، وقد وصفها البعض بالمكانس الكونية العملاقة.
هذه الصفات الثلاث قد تكون هي التي حدثنا عنها القرآن بآيتين كريمتين في قوله تعالى: «فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ» التكوير: 15-16.
والخنَّس، أي الخانسة التي لا تُرى، والجوارِ أي التي تجري، والكُنَّس أي التي تُكْنَس وتُجْذَب وتبتلع مع كل شيء حولها إلى الخُنَس بفعل الجاذبية الهائلة لها. في الواقع أن جميع النجوم بما فيها الشمس تولد وتموت وأن عمرها يعتمد على كتلتها، قال الله تعالى: «فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ» المرسلات 8 و 9، «وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» التكوير 2، أي النجوم تنطمس وتنطفئ و يخفت ضوؤها عند وفاتها.
والنجوم ذات الكتل العالية جداً أعلى من كتلة الشمس بعدد من المرات أو بعشرات المرات أو أكثر تنتهي وتهوى وتموت على شكل نجوم نيوترونية (نجوم نابضة) أو ثقوب سوداء فتصبح جاذبيتها كبيرة جداً، وبذلك فإنها تقوم بجذب (بلع) ما حولها من مواد وأجرام سماوية، أي أنها تكنس ما حولها من مادة، بمعنى أن النجوم كبيرة الكتلة تصبح ثقوباً سوداء عند موتها ويخفت ضوؤها (تخنس) بسبب جاذبية مادتها عالية الكثافة ولا تسمح حتى للضوء بالخروج منها وبذلك تخفت وتخنس، وفي الوقت نفسه تبتلع وتمتص وتشفط ما حولها من مواد غازية وترابية وأجرام سماوية لذلك قال بعض الباحثين إنها الخنس والكنس، والله أعلم.
«فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنّسِ. الْجَوَارِ الْكُنّسِ. وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ. وَالصّبْحِ إِذَا تَنَفّسَ. إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» التكوير 15-19.
تنعكس عظمة القسم وأهميته في الاستدلال على المقسوم به وهو هنا مذكور بصفات قد تلتقي تماماً مع صفات ما يسمى بالثقوب السوداء (النجوم الميتة)، فهي في الأصل نجوم تجري في مداراتها فيصدق عليها الوصف باللفظ جوار، وأما اللفظ خنس فيتطابق معها بكل معانيه في اللغة ومنها: الخفوت والاحتجاب والاختفاء، والتراجع والاندثار بعد ظهور وازدهار، وهي بالفعل نجوم عملاقة هوت في نهاية أعمارها وانكمشت مادتها واستترت ولا يظهر منها أي ضوء (توفت)، والسبب شدة جاذبيتها التي تجعلها تكنس كل شيء يحيط بها وفي طريقها وتبتلعه فتزداد كتلة وحجماً وقوةً، وهنا يتجلى وصفها بلفظ الكنس أو المكانس الضخمة الشافطة.
والمعرفة بالأوصاف الفيزيائية الفلكية لهذه الأجرام جاءت خلال الثلاثين سنة الماضية، علماً أن الثقوب السوداء رصدت بشكل غير مباشر خلال المواد الكونية المحيطة بها، وقد رصدت في النجوم الثنائية و في مركز الحشود النجمية الكروية وفي مركز المجرات والكوازارات الكبيرة، لذا فإن ورودها في القرآن بألفاظ ومصطلحات تدل عليها بدقة علمية كونية لدليل واضح وحاسم على أنه كلام الله الخالق.
في سياق الموضوع نفسه نقرأ: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى» النجم 1-4، وقوله تعالى في السورة نفسها «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى، مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى،وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى» حيث تأكيده تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» 45-52 بمضمون فلكي في سياق أرضي من بيولوجيا حياة الإنسان واندثارها، وكذلك «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» وما يليها من آيات، فهل ثمة علاقة بيولوجية بين «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» و «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» والحياة على الأرض؟ أي هل ثمة حياة على النجم في الآية الأولى كانت واندثرت، وثمة حياة في نجم الشِعْرَى كانت واندثرت أيضاً، وهل النجم في الآية الأولى هو الشِعْرى في الآية 49 من دون البسملة؟
إننا إذ نتأمل هذه العبارات بجمال أخاذ فإنها لتنبئنا بأشياء فلكية فيزيائية ليست سهلة التحديد ولكنها ليست مستحيلة التحليل.
«وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» (النجم: 1). تتحدث الآية عن النجوم وليس الكواكب أو الشهب المختلفة تماماً عن النجوم، فالنجم الطارق والنجم الثاقب والنجم إذا هَوى، لا علاقة لها بالشهب والنيازك المتساقطة باستمرار والتي ترى بالعين المجردة.
المقصود في هذه الآية أن النجوم العملاقة (الأكبر من الشمس بعشرات أو مئات أو آلاف المرات) التي وصلت الى مراحلها النهائية من عمرها، تتهاوى على نفسها بعد أن تستكمل طاقتها الذاتية، وبعد ذلك تكون في حالة انفجار كبير جداً ونسميها بالمستعرات العظمى وبعد الانفجار تخلف وراءها نجماً نيوترونياً أو ثقباً أسوداً.
نقصد بالتهاوي أنه بعد بلايين السنين من عمر النجم العملاق يستنفد وقوده، ثم ينفجر ويتهاوى على نفسه نحو المركز حيث تتجمع طاقته وتكبر جاذبيته، أي تتسارع وتتساقط مادة النجم (تتهاوى) باتجاه مركز الجاذبية، وكل نجم في الكون لابد أن يأتي عليه يوم يستهلك فيه وقوده ومن ثم يهوى على نفسه ويموت على شكل مادة مكدسة عالية الكثافة.
والشيء نفسه بالنسبة للكون لابد أن له نهاية (يتهاوى على نفسه) عندما تستنفذ النجوم طاقتها وتتحول إلى ثقوب سوداء ذات جاذبية وكثافة عاليتين جداً ثم تكبر كثافة الكون لتكون أكبر من الكثافة الحرجة وبالتالي يعود الكون كما كان سابقاً (رتقاً) قبل الانفجار الكبير (الفتق).
«يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ»،الأنبياء 104. والله أعلم
* مدير جامعة الشارقة
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك