السجون والجريمة في أمريكا اللاتينية

فشل سياسات الاعتقال الجماعي
22:18 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا
* مارسيلو سيرجيو بيرجمان أستاذ علم الاجتماع وعلم الجريمة في جامعة تريس دي فيبريرو الوطنية. أجرى بحثاً تجريبياً حول الجريمة على مدار العشرين عاماً الماضية أثناء عمله في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك والأرجنتين. له العديد من الكتب، بعضها نال جوائز.
** غوستافو خافيير فونديفيلا أستاذ القانون في مركز البحث والتدريس في الاقتصاد، وهو أحد علماء الجريمة البارزين في أمريكا اللاتينية وخبير رائد في شؤون السجون في المنطقة. نشر العديد من الكتب والأبحاث في مجلات دولية مرموقة متخصصة في علم الجريمة.

مع ارتفاع معدلات الجريمة على مدى العقود القليلة الماضية في أمريكا اللاتينية، تبنى صانعو السياسات هناك السجن كاستجابة أولية للاحتجاج العام، ومع ذلك، مع زيادة عدد السجناء، استمرت معدلات الجريمة في الازدياد أيضاً. 

 هذا الكتاب يبحث في أزمة سجون أمريكا اللاتينية وفشل سياسات الاعتقال الجماعي، ويناقش التحديات التي ستواجهها في المستقبل.

 أمريكا اللاتينية تواجه أزمة في السجون. مع ارتفاع معدلات الجريمة في المنطقة على مدى العقود القليلة الماضية، أصبح الحبس هو الاستجابة المفضلة لصانعي السياسات الذين يتفاعلون مع الاحتجاج العام بشأن تدهور السلامة العامة. سرعان ما أصبحت هذه المرافق مزدحمة في وقت كانت برامج الإصلاح تدار فيه بشكل سيئ.

 يدور هذا الكتاب حول النمو السريع للسجن في أمريكا اللاتينية، وأوجه القصور في سياسة السجن الهائلة هذه. باستخدام البيانات الأصلية التي تم جمعها خصيصاً لهذا المشروع، يبحث هذا العمل في الأزمة الإنسانية للسجون، ويدرس الآثار السلبية للجهود الإصلاحية في أمريكا اللاتينية؛ للحد من الجريمة في المنطقة، ويحلل الارتباط الوثيق بين موجات الحبس، وارتفاع معدلات الجريمة.

 يقدم هذا الكتاب (صادر باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة كامبريدج في مارس/ آذار 2021 ضمن 250 صفحة) بيانات جديدة، تستند إلى دراسات استقصائية واسعة النطاق للنزلاء في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية، ويشرح تحول السجون من أدوات الردع، وإعادة التأهيل إلى محفّزات للعنف والإجرام.

 تأثير وباء كورونا

 يسلط بيرجمان وفونديفيلا الضوء على آثار أسواق المخدرات الداخلية والزيادة الهائلة في عدد النساء السجينات. علاوة على ذلك، يظهر الكتاب كيف أن السجون ليست معزولة عن المجتمع، فهي مواقع لشبكات إجرامية نشطة؛ حيث يحتفظ العديد من السجناء بصلات إجرامية مرنة مع العالم الخارجي. بدلاً من الحد من الجريمة، أصبحت السجون جزءاً لا يتجزأ من مشكلة الجريمة في أمريكا اللاتينية.

 يقول المؤلفان: «لا يزال تزايد الإجرام سيناريو محتملاً في السنوات القادمة؛ حيث يدفع الأثر الاقتصادي لوباء كورونا وارتفاع مستويات الفقر لدى العديد من الشباب إلى المخدرات والجريمة. إذا كانت هذه هي الحال بالفعل، فإن الجوانب المذكورة في الكتاب، وهي ارتفاع معدل تناوب السجناء، وزيادة جرائم المخدرات والممتلكات، والأفواج الكبيرة من السجناء الذين يعودون عند إطلاق سراحهم، ستمارس ضغطاً إضافياً على أنظمة السجون التي هي بالفعل على حافة الهاوية.. هل ستعكس البلدان اتجاهات السجن في خضم سيناريو الجريمة المتزايدة المحتمل؟»

 ويضيفان: «قد تتم مراجعة العديد من اتجاهات السجن في السنوات القادمة؛ لكن من الصعب التكهن بما إذا كان كورونا سيغير قواعد اللعبة في عملية الاعتقال الجماعي في أمريكا اللاتينية، أم أنه سيكون تسريعاً لاتجاهات السجن الحالية. بغض النظر عن الاتجاه الذي أحدثته الأزمة، سيكون له بالتأكيد تأثيره طويل الأمد على السجون والجريمة في أمريكا اللاتينية.

 ويرى الكاتبان أنه: على مدى العقدين والنصف الماضيين، تضاعف عدد السجناء في أمريكا اللاتينية أربع مرات تقريباً من 408000 في عام 1992 إلى 1.519.000 في عام 2017. في حين أن البلدان الكبيرة مثل البرازيل والمكسيك كانت في طليعة هذه الزيادة الكبيرة، فإن جميع البلدان في أمريكا اللاتينية ضاعفت عدد السجناء على الأقل خلال هذه الفترة. أثرت عملية الحبس الجماعي هذه في ملايين الأسر، واستنزفت الموارد العامة، وخلقت عدداً كبيراً من المشكلات الاجتماعية. ومع ذلك، على الرغم من الاتجاه الكبير للسجن، تستمر معدلات جرائم الملكية والعنف في النمو.

 اكتظاظ في السجون

 إن معظم السجون في أمريكا اللاتينية مكتظة ونادراً ما يتم إعادة التأهيل الاجتماعي؛ بالنسبة لمعظم السجناء، يتم «تعليم» الجريمة داخل السجن، ويعودون للجريمة بسرعة عند إطلاق سراحهم. تتأثر العائلات بسجن أحد أفرادها، وبالتالي فإن ظروف الفقر والتهميش يعاد إنتاجها. في هذا الكتاب، يظهر المؤلفان أن السجون في أمريكا اللاتينية لا تردع معظم المجرمين المحتملين ولا تعطلهم بأعداد كافية لتقليل الجريمة؛ حيث يتم الاستعاضة عن الأفراد المقبوض عليهم بسرعة بكادر جديد من المجرمين، لا سيما في جرائم المخدرات والممتلكات. على مدى العقود القليلة الماضية، أنفقت الحكومات الملايين في بناء مرافق السجون؛ للاستجابة للاكتظاظ ولكنها عانت بشدة الإنفاق على تهيئة الظروف اللازمة لإعادة التأهيل الاجتماعي الفعّال ولإنجاح إعادة الدخول إلى المجتمع.

 باستخدام البيانات الإدارية من جميع البلدان المشاركة في الدراسة، إلى جانب استطلاع آراء السجناء، يحلل المؤلفان حالة سجون أمريكا اللاتينية، ونصف نوع السكان الذين يقيمون في سجون المنطقة والبيئة الاجتماعية التي أتوا منها. يؤكدان الفرضية القائلة إن الموجة الحالية للسجن قد أسهمت في النهاية في إنتاج المزيد من الجرائم في أمريكا اللاتينية.

 يجيب هذا الكتاب عن عدة أسئلة مهمة تتعلق بأشد المشكلات التي تواجه أمريكا اللاتينية: من هم النزلاء الذين يقيمون في أنظمة السجون؟ ما الذي تفعله الحكومات لمعالجة المشكلات التي سببها تزايد عدد نزلاء السجون؟ إلى أي مدى ساهم الحبس الجماعي في زيادة الإجرام في المنطقة؟ تحت أي ظروف ينتشر العنف؟

 يعتمد هذا الكتاب على مجموعة من مصادر البيانات؛ حيث يقدم العديد من الادعاءات المبنية على أسس تجريبية واسعة النطاق. هذه البيانات الإدارية تم جمعها من قبل الحكومات والوكالات العامة والمنظمات الدولية، إضافة إلى البيانات الأصلية، وتحديداً من 8000 سجين شملهم الاستطلاع.

 عدالة جنائية مبهمة

 لا تزال البيانات الجيدة حول المشكلات المتعلقة بسلامة المواطنين في أمريكا اللاتينية، والأداء المؤسسي في هذا الشأن محدودة؛ لأسباب تاريخية مختلفة، لا تمتلك معظم البلدان ثروة كافية من المعلومات التي يمكن استخدامها، لإجراء أبحاث مبتكرة حول انعدام الأمن والإجرام، وليس هناك أي تقييم نزيه للسياسات العامة في المنطقة. على الرغم من أن هذا بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال من غير المعتاد نسبياً أن تقوم مؤسسات أمن الدولة بإنتاج معلومات عامة موثوقة بشكل منهجي. في هذا السياق، فإن أنظمة التصحيح في المنطقة ليست استثناء. على العكس من ذلك، فهي عادة ما تكون أنظمة عدالة جنائية مبهمة.. (الشرطة والمدعون العامون والقضاة). هذا ما يناقشه المؤلفان في الفصلين الأول والثاني؛ حيث يركزان فيه على معاينة خصائص السجناء المحتجزين في سجون أمريكا اللاتينية، وملفاتهم الشخصية، وسماتهم الاجتماعية والديموغرافية، وخلفياتهم، وتربيتهم.

 يعاين الفصل الثالث الارتباط الوثيق بين السجون والجريمة، ويوضح كيف أنه بعيداً عن الحد من الجريمة، قد يؤدي المزيد من السجن إلى زيادة الإجرام بالفعل. ويبدأ بتقديم عدة فرضيات لنمو السجون ودراسة سياسات تم سنها لتزايد الإجرام الذي أدى إلى انفجار السجن. يقولان: «نحن نجسّد هذه الاتجاهات من خلال تحليل متعمق لثلاثة بلدان ممثلة: كولومبيا والمكسيك وتشيلي. نجادل في أن كلاً من عمليات الانقلاب المرتفعة وزيادة شدة العقوبة على الجرائم الخطرة جداً هي المسؤولة عن انفجار السجن الذي كان له تأثير على الظروف المعيشية الحرجة داخل مرافق الإصلاح في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية».

 يتناول الفصل الرابع المخدرات غير المشروعة، والتي كانت محركاً مهماً للجريمة وأصبحت قضية مركزية في السياسة والمجتمع في أمريكا اللاتينية. «فواحد من كل خمسة نزلاء تم سجنه؛ بسبب جرائم متعلقة بالمخدرات، وواحد على الأقل من كل ثلاثة يتعاطى المخدرات بانتظام داخل السجون» كما يقول الكاتبان. يبحث هذا الفصل في أنماط جرائم المخدرات، ومداخيل المخالفين من بيع أو نقل المخدرات، والدخل الذي حققوه قبل القبض عليهم، وكذلك استخدام المخدرات داخل السجون (من يمدهم بالمخدرات، وكم ينفقون على المخدرات). ومن الذي يتحكم في تهريب المخدرات داخل مرافق الإصلاحيات، وحجم سوق السجون غير القانوني. يظهران أن منفذي القانون يستهدفون بأغلبية ساحقة مهربي المخدرات «الذين يسهل القبض عليهم»، بينما بالكاد يحققون نجاحات في تفكيك صناعات المخدرات غير المشروعة في بلدانهم، وتسهيل الآلية الاجتماعية البديلة.

 يحلل الفصل الخامس الزيادة في سجن النساء ويدرس الدور المتزايد والمهم للإناث في تجارة المخدرات غير المشروعة. تعيش النساء في منشآت منفصلة ولديهن قضايا محددة تستحق معاينة خاصة. يقول المؤلفان: «تبين لنا أن الإناث، مثل الرجال، تم سجنهن في جنايات مماثلة؛ حيث حاولن الاستفادة من فرص الدخل التي توفرها المخدرات غير المشروعة وجرائم الملكية. وهذا يفسر إلى حد كبير معدل سجنهن المتزايد بسرعة. إضافة إلى ذلك، يدرس هذا الفصل مساراتهن الإجرامية والعنف في السجن، ويحلل أنماط إيذاء النساء داخل السجون».

ارتباط وثيق بين السجون والخارج

 يتناول الفصل السادس الدور الخاص لمؤسسات العدالة في موجة الحبس. يركز تحليلنا على الاعتقالات التي تقوم بها الشرطة، والملاحقة الجنائية، والمحاكمات من أجل تقييم أنواع القضايا التي تنتهي بالإدانات الجنائية، ونوع الأدلة المستخدمة للإدانة، والدور الذي يلعبه محامو الدفاع. يدرسان الاعتماد المفرط على الاعتقال الجائر، وتواطؤ الشرطة والمدعي العام مع الجريمة، والفساد. يوضح هذا الفصل أنه من خلال استهداف الجرائم الأكثر وضوحاً، يقوم المدعون بمعالجة القضايا السهلة، ونادراً ما يحتاج القضاة إلى أدلة عالية المستوى.

 يحلل الفصلان السابع والثامن الحياة في السجون. يبدأ الفصل السابع بوصف الحياة اليومية في السجن من أجل تقييم بيئات السجون وبرامج إعادة التأهيل. يعلقان: «بناءً على التقارير الذاتية للسجناء، نقوم بتحليل عمق وتأثير الاكتظاظ، وتوفير الخدمات الأساسية (الغذاء والصحة)، وبرامج التأهيل والتدريب (التعليم والعمل داخل السجون)، والخدمات الصحية، والحياة الاجتماعية، والشبكات الإجرامية. نظهر أن توريد السلع والخدمات يخلق فرصاً للربح للشبكات الإجرامية، وأن معظم برامج إعادة التأهيل تفشل، وأن الاستعدادات لعودة الدخول سيئة للغاية، ما يسهم في ارتفاع معدلات العودة إلى الإجرام».

 يستكشف الفصل الثامن العنف والتنظيم الداخلي للعصابات. يقول الكاتبان: «فقد أدى تراجع توفير الاحتياجات الأساسية وضعف البنية التحتية إلى ظهور أسواق غير شرعية داخل إصلاحات تقدم الخدمات الأساسية وتخضع لسيطرة العصابات والمجموعات الصغيرة. ساهمت السيطرة على هذه الأسواق في نمو المنظمات الإجرامية التي شكلت الحياة داخل السجون. تقاتل هذه الجماعات من أجل السيطرة على تجارة المخدرات وغيرها من السلع المرغوبة داخل السجون، وقد تستخدم العنف المفرط؛ للمحافظة على السيطرة». يدرس هذا الفصل الظروف التي قد يحدث فيها العنف ومدى انتشاره، والدور المتنامي للعصابات في سجون أمريكا اللاتينية، فضلاً عن الظروف التي تؤدي إلى نشوء الحكم الجنائي.

 يلخص الفصل التاسع مناقشة الكتاب الرئيسة من خلال دراسة ما يُسمى بالتقسيم بين السجن والعالم الخارجي. يقول المؤلفان: «يقول المثل الشعبوي العقابي: (احبس المجرمين وتخلص من المفاتيح)، لكن الحقيقة القاسية أثبتت أن هذا الفصل هو مغالطة. تعود الأغلبية العظمى من السجناء إلى المجتمع بعد بضع سنوات، وجميع السجناء لديهم صلات بالعالم الخارجي، ما ينتج عنه عوامل خارجية سلبية من السجن. يوضح هذا الفصل أن الحدود بين السجون والعالم الخارجي غير واضحة، وأن السجون جزء لا يتجزأ من حياة مئات الآلاف في أمريكا اللاتينية وتؤثر أيضاً على ملايين الأقارب والأصدقاء الذين يعيشون خارج السجون. وبالتالي، هناك شبكات وقنوات اتصال وتبادلات نشطة تتحدى مفهوم السجون كمراكز مفصولة. يتناول الفصل عدة مواضيع مثل تأثير السجن على الأسر والعودة إلى الجريمة، ويخلص إلى أن فصل أعداد كبيرة من الشباب عن العالم الخارجي لم يؤثر في مستويات الجريمة في الشوارع».

يختتم المؤلفان العمل بعدة ملاحظات حول التصحيحات والسياسة الجنائية، ويؤكدان أن السجن الجماعي لم يحل مشكلة الجريمة، وقد يؤدي في الواقع إلى تفاقمها، ويقدمان العديد من إرشادات السياسة التي قد توفر خريطة طريق لمعالجة أزمة السجون في هذه المنطقة الملتهبة من العالم.

عن المترجم

نضال إبراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
أندريا غيزيلي
2
أندرياس مالم ومجموعة زيتكين
1
مارينا برنتوليس
1
ستيفانو بالومبارين وبرونو أمابل
1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل