لا بالصراخ ولا بالوعيد

00:30 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

الحقوق الفلسطينية في دولة مستقلة وفي عودة اللاجئين، وفي الأمان والازدهار وفي إدارة المواقع الدينية المقدّسة لا تشوبها أي شائبة، ولا يختلف عليها إلاّ من استعدى الحقوق الإنسانية الأساسية. ولكن في المقابل جرّب العرب أكثر من سيناريو، لإعادة الحق الفلسطيني لأصحابه ولكن كلّ المحاولات انتهت بالفشل.

 الصراع الفلسطيني  الإسرائيلي لا يمكن حلّه بالصراخ والوعيد، لأنّ الاستمرار في اعتماد ذات النهج في إدارة المعركة مع الاحتلال، يقود إلى ذات النتائج التي ضيّعت وهمّشت القضية الفلسطينية وجعلتها في آخر اهتمامات الشعوب العربية، خاصة في العشرية السوداء المستمرة منذ العام 2011.

 لو تتبعنا تاريخ مدينة القدس منذ نشأتها قبل 45 قرناً بحسب ما تذكره المصادر التاريخية، سنجد أنّ تحريرها كان دائماً عنوان تفوق حضاري، وأنّ احتلالها من قبل الحضارات المتعاقبة مثل الفراعنة والبابليين والآشوريين والرومان والفرنجة وصولاً إلى احتلالها من قبل بريطانيا في التاريخ المعاصر، ومروراً بفترة الحكم الإسلامي، كان تعبيراً عن تفوق إحدى تلك الحضارات على الأخريات المنافسات لها في السيطرة على قلب العالم القديم والحديث.

 لقد ظلت هذه المدينة، التي هي مهد الديانات السماوية، محل تنازع بين تلك الأمم، ويمكننا القول إنّ السيطرة عليها كانت تعبيراً عملياً عن قاعدة «البقاء للأقوى». والأقوى هنا ليس عسكرياً فحسب، بل الأقوى اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً واجتماعياً وثقافياً، بمعنى البقاء للأقوى حضارياً.

 وإذا ما قصرنا حديثنا على التاريخ المعاصر، أي منذ مؤتمر بازل في العام 1897، ومنذ وعد بلفور في العام 1917، والعرب يديرون معركة فلسطين بطريقة خاطئة. لأن تحرير فلسطين وتحرير القدس يستوجب أولاً وقبل كل شيء أن يرتقي العرب حضارياً، وأن ينجزوا تقدماً حضارياً يجعلهم قوّة تعادل القوى الكبرى. عندها فقط سيمكن حل القضية الفلسطينية بطريقة عادلة ومنصفة لشعب مازال هو الشعب الوحيد الذي يعاني من احتلال مباشر. طالب العرب بالسلام على أساس المبادرة العربية التي تم إطلاقها في قمة بيروت في العام 2002، لكنهم لم ينجحوا في فرضها لأنهم ليسوا في موقع قوة يعادل ما تقرره الأمم القوية في لعبة الدبلوماسية الدولية. وعلى رأي الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، الذي قال في قصيدته الشهيرة (فلسفة الثعبان المقدّس):

لا أين؟ فالشّرع المقدّس ها هنا 

رأيُ القوي وفكرةُ الغَلاّبِ

لا عدلَ إلاّ أن تعادلت القوى 

 وتصادم الإرهابُ بالإرهابِ

ويعني هنا أنه لا عدل إلاّ إذا تعادلت القوى. فلو تعادلت القوى لاستطاع العرب على الأقل تمرير قرار في مجلس الأمن أو حتى مجرد بيان ينصف الحق الفلسطيني، ولكن حالة التراجع العربي جعلت من الصعب إصدار بيان إدانة لا تتجاوز مفاعيله الحبر الذي كتب به على ورقة بيضاء.

 ما يمكن اختزاله في هذا المستوى أنّ إعادة الحق الفلسطيني تحتاج إلى إدارة المعركة بطريقة أكثر عقلانية، وتحتاج إلى تأسيس حضاري مختلف عن العقود السبعة الماضية التي تمت فيها إدارة معركة تحرير فلسطين. إن فرض الحق الفلسطيني سيكون أمراً سهلاً لو امتلكنا ناصية العلم، ولو قرأنا ديننا قراءة سليمة تدفع نحو الابتكار والتجديد، لا نحو التقاتل الداخلي والتخريب الحضاري الذي تقوده الجماعات المتشددة.

 القدس عنوان تفوق حضاري، وعنوان ازدهار حضاري لأيّ أمّة تريد أن تكون فاعلة في التاريخ الإنساني، هكذا كانت على مرّ التاريخ، وهكذا ستكون في المستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وغير ذلك فسنبقى ندور في فلك الصراخ «الواقعي» و«الافتراضي»، الذي يتحكّم فيه أيضاً ويديره مالكو مواقع التواصل الاجتماعي. وهكذا يتم في كل مرة تحويل وجهة الصراع وتهميشه، من مقاومة احتلال إلى مقاومة فيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تناصر القضية الفلسطينية.

 فرض الحرب أو السلام يحتاج إلى قوّة واقعية، تتقاطع مصالحها مع القوى الدولي. والعرب الآن في أدنى حالات التماسك والتنسيق، فضلاً عن كونهم يجرّون وراءهم نتائج عشرية سوداء، عملت فيها معاول التخريب على «تكسير» كلّ المنجزات والعلاقات بين الشعوب والدول. فهل يكفينا العويل الواقعي أو الافتراضي لتحرير القدس؟

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"