غضب عرب 48.. والداخل الإسرائيلي

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

النظريات السياسية، وقواعد الصراع سواء بين الدول أو بين الدول والجماعات أو التنظيمات تتبدل من حين إلى آخر، ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين وكل يوم يحمل إلينا جديداً فيما يتعلق باللعبتين السياسية والعسكرية .

  مع التسليم بأهمية القوة العسكرية في عالم لا يتحكم فيه سوى الأقوياء، فإن معارك اليوم سواء كانت لتغيير أنظمة أو إسقاط دول لم يعد ضرورياً أن تكون صاخبة، ولم تعد تثبت فاعليتها من أصوات الصواريخ وأزيز الطائرات، بل لا يتجاوز ضجيجها صوت النقر على “الكيبورد” في أجهزة التواصل الحديثة لكتابة ونشر رسائل و”بوستات” شحن الناس ونشر الكراهية وإشعال فتيل الفتنة وافتعال معارك أهلية بين فئات الدولة المستهدف إسقاطها، أو تغيير النظام بها أو تعديل سياساتها وتبديل مواقفها بلغة غير سياسية. ولنا أسوة في المعارك العسكرية الكبرى التي خاضها الجيش الأمريكي في أفغانستان دون تحقيق المستهدف، ومعارك الجيش الإسرائيلي ضد غزة ولبنان والتي لم تغير شيئاً في معادلات المنطقة؛ بل زادت أعداءه شراسة عسكرياً واستحواذاً سياسياً.

  في المقابل، تفكك الاتحاد السوفييتي وانهارت الشيوعية وتفككت دول أوروبا الشرقية من دون معارك عسكرية صاخبة، ولكن بالتشكيك في أيديولوجيات وصراعات سياسية باردة استمرت سنوات، والدرس الأقرب لنا يتمثل فيما أسموه الربيع العربي والذي صدّع دولاً وغيّر أنظمة وهدم مدناً وخرّب نفوساً وترك ندوباً ستظل لسنوات وعقود، ولم تنج سوى الدول التي استطاعت أنظمة الحكم فيها احتواء شعوبها واستيعاب متطلباتها، فتوحدت في وجه مخطط كان يستهدف تغيير معالم المنطقة بالكامل .

  عرب ٤٨، فلسطينيون رفضوا الخروج من بيوتهم بعد الاحتلال الإسرائيلي، وتمسكوا بالأرض، وقرروا الانخراط في المجتمع الجديد، وارتضوا أن يحملوا الهوية الإسرائيلية، وشاركوا في الانتخابات، واختاروا من يمثلهم في الكنيست، وحاولوا الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ولكن إسرائيل التي ادعت الديمقراطية وتشدقت بحقوق الإنسان رفضت احتواءهم، وتعاملت معهم على أنهم فئة غير مرغوب فيها، وحاولت مراراً الاستيلاء على أراضيهم واقتلاعهم من بيوتهم ومحاصرتهم وظيفياً واقتصادياً ودينياً، حتى أصبحوا الفئة الأكثر فقراً والأقل حقوقاً والمهددة حياتهم في كل وقت سواءً من المستوطنين المتطرفين أو من أجهزة الأمن، وتعاملت معهم باستمرار باعتبارهم متهمين أو مشكوكاً فيهم.

   بعد ٧٣ عاماً، ينتفض عرب ٤٨ لأول مرة بعد أن نفد الصبر وبلغ السيل الزبى ، وبعد أن طرد الإسرائيليون فلسطينيين من منازلهم، وأخلوا قرى من سكانها، جاء الدور على الأحياء المقدسية، ومن حي الشيخ جراح انطلقت الشرارة التي أشعلت نيراناً في جميع المدن التي يتجاور فيها العرب مع اليهود، في الشيخ جراح وأحياء مقدسية أخرى وفي حيفا ويافا واللد وطبريا وأم الفحم والناصرة وشفا عمرو والطيبة وكفر قاسم وحورة وعكا وبلدات أخرى.. اشتباكات ومواجهات مسلحة بين المستوطنين والفلسطينيين، وبدلاً من أن تهدئ الشرطة الوضع زادت النار اشتعالاً بالانحياز الأعمى إلى المستوطنين.

الغليان العربي الذي سطع داخل الأراضي الفلسطينية من مواطنين يحملون الجنسية الإسرائيلية، والغضب الموازي على إسرائيل من مواطنين يهود يرون أن دولتهم ترتكب جرائم ضد الإنسانية سواء ضد غزة أو ضد العرب الإسرائيليين، والغضب الذي امتلأت به صدور الفئات اليهودية المهمشة والتي يزعجها تفرقة الدولة بين السفارديم والاشكناز والشرقيين والفلاشا، كل هذا الغضب يستلزم إدارته سياسياً والعمل على تغذيته واستغلاله وستكون له نتائج أكبر بكثير من نتائج قصف صاروخي على بلدات إسرائيلية.

  بدا واضحاً أن إسرائيل دولة تعجز عن توحيد شعبها، ومجتمع فسيفسائي منقسم، وتعاني خيبات سياسية دفعتها لإجراء انتخابات ٤ مرات خلال عامين والخامسة على الطريق، وسيتواصل العجز عن تشكيل حكومة تلبي متطلبات الانقسام المجتمعي، فيما رئيس الوزراء نتنياهو ينتظره السجن بعد رفع الحصانة عنه.. هذه كلها عوامل تؤكد أن الداخل هش والدولة مهزوزة، لا تحتاج سوى بعض الذكاء السياسي لإضعافها.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"