- برجس: المشهد الثقافي في الإمارات مبشر
- النقد الأدبي العربي يعيش حالة من التراجع
أبوظبي: نجاة الفارس
فاز الكاتب الأردني جلال برجس بالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» عن روايته «دفاتر الورّاق».
وأعلن الشاعر شوقي بزيع، رئيس لجنة تحكيم الجائزة، عن اسم الرواية الفائزة والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، خلال فعالية افتراضية ضمن معرض أبوظبي للكتاب. وتبلغ قيمة الجائزة 50 ألف دولار أمريكي، إضافة إلى تمويل ترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية.
وشكر برجس القائمين على الجائزة وأشار إلى أنها فتحت له كل الطرق لتصل كلمته التي عمل دائماً على أن تزرع البهجة في نفوس القرّاء.
وقال شوقي بزيع: «قد تكون الميزة الأهم للعمل الفائز، فضلاً عن لغته العالية وحبكته المحْكمة والمشوقة، هي قدرته الفائقة على تعرية الواقع الكارثي من أقنعته المختلفة؛ حيث يقدم المؤلف أشد البورتريهات قتامة عن عالم التشرد والفقر وفقدان المعنى واقتلاع الأمل من جذوره، بما يحول الحياة إلى أرخبيل من الكوابيس. ومع ذلك فإن الرواية ليست تبشيراً باليأس؛ بل هي طريقة الكاتب للقول إن الوصول إلى الصخرة العميقة للألم، هو الشرط الإلزامي لاختراع الأحلام، وللنهوض بالأمل فوق أرض أكثر صلابة»
وبدوره، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس أمناء الجائزة: «تلتقي عوالم البؤس والتشرد في دفاتر الورّاق في ثنائية ينشبك فيها التسجيل والتمثيل، تسجيل ما يدور وتمثيل ما كان، فتختلط الأزمنة والأمكنة، إلّا أنّها تبقى تراوح مكانها في عالم تندمج فيه الحقيقة والخيال. وعلى الرغم من محليّة البؤس والتشرد في الرواية، فإنهما يبقيان لازمة إنسانية ينهل منها الأدب كلما فاض التهميش والتشظي في عوالم الفساد والإقصاء والخواء. دفاتر الورّاق هي حكاية عمّان التي تتجاوز نفسها وزمانها، على يد روائي يبسطها أمام أهلها كما فعل محفوظ مع قاهرته، فيسير القارئ في شوارعها ويصعد جبالها ويلتقي شخوصها ويستذكر ورّاقها ويتألم لحكاياتها ويطل منها على إقليمه وعوالمه».
تدور أحداث «دفاتر الورّاق» في الأردن وموسكو خلال الفترة بين 1947 و2019، وتروي الرواية قصة إبراهيم، بائع الكتب والقارئ النهم، الذي يفقد كشكَه ويجد نفسه أسيرَ حياة التشرّد. وبعد إصابته بالفصام، يستدعي إبراهيم أبطالَ الروايات التي كان يحبها ليتخفّى وراء أقنعتهم وهو ينفِّذُ سلسلةً من عمليات السطو والسرقة والقتل، ويحاول الانتحار قبل أن يلتقي بالمرأة التي تغيّر مصيره. الدفاتر هي مجموعة من الدفاتر تتوزع بين إبراهيم وبين شخوص الرواية، وهم متقاطعون مع البطل، وتحكي مضمون هذه الحكاية المؤلمة والمتشظيّة. إنها حكاية المهمشين الذين دائماً ما يُنظر إليهم بإهمال أو لا ينظر لهم أصلاً، حيث يعيشون إلى جانب نمو طبقة متنفذّه فاسدة. كما تشير الرواية إلى أهمية البيت، رمزاً للوطن وتلامس واقعاً صعباً ليس في الأردن فحسب، بل في المنطقة العربية بشكل عام.
و في حوار مع «الخليج» تحدث برجس عن فكرة "دفاتر الوراق، و أبرز التحديات التي واجهته أثناء كتابتها، وكيف يرى المشهد الثقافي في الإمارات، ورأيه في حال النقد العربي
وحول سؤال عن فكرة الرواية، قال برجس: أزعم أن الأفكار الروائية لا تتشكل فجأة، بل تولد في لحظة بعينها ولا ندري سر هذه الولادة المباغتة، الأمر مرتبط برأيي بالتراكمات التي أتت جراء مشاهداتنا وتأملاتنا، وتفكرنا بما حولنا وبالقادم من الأيام، إنها هواجس، أو جملة من الهواجس تقف وراء الفكرة، في ما يخص دفاتر الوراق ولدت فكرتها حين كنت أتجول في وسط البلد في العاصمة الأردنية عمان؛ إذ كنت أتأمل البيوت، وحركة الناس في الشارع، وفي البال كل التبدلات التي طرأت مؤخرًا على إنسانيتنا، فتساءلت ما هو البيت؟، هل هو الذي نسكنه فقط أم هناك بيوتًا أخرى يجب أن نستشرف مستقبلها؟، لقد بنيت دفاتر الوراق على ثيمة البيت وأتت من خلال شخصية وراق مثقف له (كشك) كتب في وسط البلد، وقد أمضيت في كتابتها ثلاثة أعوام عايشت خلالها شخصيات الرواية، وأمكنتها، وتقمصت أدوارهم لأذهب إلى درجة أرضى عنها من الصدق في الكتابة.
**تحديات
وعن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الرواية قال: في الرواية عدد من الشخصيات من مجهولي النسب، أبناء الملاجيء، كان علي أن أقابل بعضهم لأسمع منهم وأتلمس إحساس الإنسان حينما يكون مجهولًا بهذا الشكل، وهذا لم يكن سهلًا لكني اهتديت إلى شخصين منهم والتقيت بهما، الأمر الآخر هو الإحاطة بالفارق بين تطبيق القوانين المتعلقة بهذه الفئة، وبين عدم تطبيقها، هناك تحد آخر يندرج في باب الوقت فأنا مثل كثير من الروائيين العرب لست متفرغًا للكتابة التي تأتي عادة على حساب وقتي العائلي، والشخصي، فحين أكتب فإني أنقطع عن الجميع، وأتوقف عن ممارسة كثير من الأنشطة.
ويرى برجس أن المشهد الثقافي في الإمارات مبشر، يقول: الساحة الثقافية في الإمارات نشيطة، والدولة قدمت الكثير للثقافة من مختلف الجوانب مثل الفعاليات الثقافية، وطباعة الكتب، وتبني المشاريع الثقافية، أما معرض أبوظبي الدولي للكتاب فهو درة المعارض فقد شاركتُ فيه مرة ورأيت كيف يتأسس على استراتيجية متقنة، فهو حدث ثقافي كبير له تأثير واضح في المشهد الثقافي العربي والعالمي، أما الجائزة العالمية للرواية العربية فهي الحدث الثقافي المنتظر سنويًا من قبل الكتاب والقراء والنقاد والإعلاميين، إنه فعل ثقافي في غاية الأهمية.
وبالنسبة للعوامل التي اسهمت في تشكيل شخصيته، يتابع برجس: هناك كثير من العناصر التي تقف وراء شخصية الكاتب ابتداء بالموهبة التي لا تفسير لها ومرورًا بعناصر أخرى اجتماعية وثقافية، فولادتي وعيشي في القرية منحني أفقًا واسعًا للتأمل الذي أعقبته القراءة الأمر الذي كان له الأثر الكبير في ذهابي نحو الكتابة، واقترابي من المدينة وعوالمها في ما بعد منحني بعدًا جديدًا أخذني إلى الرواية بمستوى مختلف، ناهيك عن السنوات الطوال التي عشتها في الصحراء الأردنية الشرقية تلك المرحلة الزمنية التي أسست لدي تراكم معرفي مهم نتيجة لقراءاتي الكثيرة هناك.
ويذهب برجس إلى أن حركة النقد العربي قد تراجعت، واقتصرت الجهود النقدية على رسائل الماجستير والدكتوراة والمؤتمرات الجامعية التي عادة ما تبقى حبيسة الأدراج، أما ما ينشر في الصحافة والمجلات الثقافية فمعظمها مراجعات لا أكثر، لقد ارتهن النقد العربي في جزء منه هذه المرحلة إلى البروباغندا المبنية على علاقات شخصية، لقد كتب عن تجربتي عدد من النقاد لكن هل وصلت إلى مرحلة الإنصاف؟ لا يمكنني الشعور بذلك.
تأثر برجس بالروائي جابرييل غارسيا ماركيز، فهو صاحب أهم مدرسة روائية، إنها الواقعية السحرية التي قرأنا معظم نتاجاتها الروائية، أما على الصعيد العربي فتأثرت بغالب هلسا خاصة رواياته التي تناولت الأردن، فقد ولد هلسا وعاش لفترة من الزمن في قرية قريبة من القرية التي ولدت ومازلت أعيش فيها.
في عزلة كورونا توفرت لبرجس فرصة رائعة للقراءة. قرأ عددًا كبيرًا من الكتب، يقول: لكنني لم أكتب إلى الآن لأن للكتابة محفزات معظمها خارج دائرة الكورونا، فلا فرص لحضور معارض الكتب، لا ندوات، لا أمسيات، ولا حتى لقاءات شخصية بالكتاب تلك اللقاءات التي من شأنها أن تخلق فضاءات جديدة ورؤى يمكن التعويل عليها، إن مرحلة الكورونا قاسية على الإنسان ونتمنى أن تزول قريبًا.
**إضاءة
جلال برجس شاعر وروائي أردني من مواليد 1970. يعمل في قطاع هندسة الطيران. عمل في الصحافة الأردنية لعدة سنوات وترأس عددا من الهيئات الثقافية وهو الآن رئيس مختبر السرديات الأردني، ومُعدّ ومقدم برنامج إذاعي بعنوان «بيت الرواية». صدر له مجموعات شعرية وقصصية وكتب في أدب المكان وروايات. حازت مجموعته القصصية «الزلازل» (2012) على جائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع، ونالت روايته «مقصلة الحالم» (2013) جائزة رفقة دودين للإبداع السردي عام 2014، كما فازت روايته «أفاعي النار» (في فئة الرواية غير المنشورة) بجائزة كتارا للرواية العربية 2015، وأصدرتها هيئة الجائزة في العام 2016. وصلت روايته الثالثة، «سيدات الحواسّ الخمس» (2017)، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2019.
تتكون لجنة تحكيم الجائزة للعام 2021 من الشاعر والكاتب اللبناني شوقي بزيع، رئيساً، وعضوية كل من صفاء جبران، أستاذة اللغة العربية والأدب العربي الحديث في جامعة ساو باولو، البرازيل؛ ومحمد آيت حنّا، كاتب ومترجم مغربي، يدرّس الفلسفة في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء؛ وعلي المقري، كاتب يمني وصل مرتين إلى القائمة الطويلة للجائزة في عامي 2009 و2011؛ وعائشة سلطان، كاتبة وصحافية إماراتية، وهي مؤسسة ومديرة دار ورق للنشر ونائب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.